تشخيص الهيمنة الإيرانية على العراق ولبنان

سياسة

تم النشر في 12 سبتمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

خلال التصعيد الأخير للأزمة في العراق سرت إنباء عن استقالة رئيس الجمهورية المنتهية ولايته، بعد اقتحام القصر الرئاسي وانتشار صور العشرات في بركة السباحة الخاصة كتقليدٍ لما حصل في سريلانكا أو تذكير به. لم يُعرف مصدر تلك الأنباء، ولا عُرف إذا كانت تسريبة أو إشاعة، ولعل طبيعة الرئيس برهم صالح تدفعه الى التفكير في الاستقالة، إلا أنه لم يفعل. الأرجح لأن واقع الصراع الداخلي يغلّب القرار السياسي (الحزبي) على أي قرار "شخصي". وفي لبنان تلقت منظومة الحكم ضربة قاصمة من الشارع الغاضب في منتصف ولاية الرئيس ميشال عون، لكنه بطبيعته لا يفكّر في الاستقالة، وقبل أن يفعل جاءه نهيٌ قاطع من الحاكم الفعلي حسن نصرالله، فالأخير "يحكم" بواسطة الرئيس ومن خلاله.

وبعد يومين على انتهاء المواجهة الدموية في المنطقة الخضراء من بغداد، لوّح رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالاستقالة، لكن الأمر نُسي سريعاً على رغم أنه عنى ما قاله، فهناك اقتناع عام بجدوى بقائه للعمل على حلٍّ لأزمة يعرف هو جيداً أن عناصر استعصائها أكبر من أن تُعالج، وأساساً ما كان الكاظمي ليكون في منصبه لولا أن الخلاف الشيعي - الشيعي فرض على إيران عام 2020 وبعد "انتفاضة تشرين" 2019 اختياره كـ "حل وسط" داخلي، وأيضاً بينها وبين الولايات المتحدة، إلا أن اداءه وعمله لتعزيز مكانة الدولة وقبوله عربياً أثارت شكوكاً دائمة في طهران. لكن الخلاف الشيعي تعمّق أكثر، وهو يحول منذ انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2021، دون اختيار رئيس للوزراء كامل الولاء لإيران، بل انه أدّى الى تعطيل المؤسسات السياسية في النظام... وفي لبنان، لا يلوّح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالاستقالة، حتى لو كان عدم تعاون الرئيس معه، لتعويم حكومته المستقيلة أو تعديلها، يدفعه اليها. لكن "حزب إيران/ حزب الله" يحتاج اليه ويعتبر بقاءه في المنصب من أدوات هيمنته، خصوصاً إذا اقتضت الظروف ذهاب لبنان الى مرحلة شغور رئاسي.

شهد برلمانا البلدين في الشهور الأخيرة تحوّلات تشير في ظاهرها الى رغبة مجتمعية في تغيير منظومتي الحكم ووسائله، وفي عمقها الى طموح للتخلّص من الهيمنة الإيرانية وشبكة الميليشيات التي أقامتها، وبالأخصّ للتخلّص من نظام السلاح والفساد، أو المافيا والميليشيا، الذي رسّخته وانخرطت في كل أنشطته. كانت للميليشيات الموالية لإيران كتلة وازنة في برلمان بغداد، لكنها فقدتها بسبب قمعها الدموي لـ "انتفاضة تشرين" وفسادها المعروف ومسؤوليتها عن تردّي الأوضاع المعيشية. ردّت الميليشيات على خسارتها في الاقتراع بتعطيل البرلمان، وسعّرت الانقسامات التي عطّلت استكمال الاستحقاقات الدستورية... الى أن جاءتها "الهدية" باستقالة نواب الكتلة الصدرية (الأكبر عدداً) وبموافقة قضائية (استناداً الى قانون الانتخاب) على أن يحلّ نوابها الخاسرون مكان الصدريين الذين استقالوا لاستدراج حلٍّ للبرلمان والذهاب مجدداً الى انتخابات مبكرة. غير أن الحراك "السلمي" الناجح الذي خاضه أنصار مقتدى الصدر ما لبث أن انتكس بعدما استُدرج الى قتال شيعي - شيعي. والآن تتطلّع الميليشيات الى اعلان انتصارها بمعاودة السيطرة على الحكم والحكومة، لتبقى المواجهة قائمة مع التيار الصدري، ومع مجتمع "التشرينيين"، وكلاهما شيعي متباعد عن إيران.

في لبنان، أيضاً، فقد "حزب إيران" مع حلفائه الغالبية التي كانت لهم واستخدموها عام 2016 لفرض ميشال عون مرشحاً رئاسياً وحيداً، وبالتالي لاقتياد البلد الى الكارثة فإلى جهنم، معطّلين كل سبل الخروج من الأزمة التي سلبت الشعب أمواله وأفقرته. وباعتباره ميليشيا، يعتمد "الحزب" في تعويض خسارته البرلمانية على سجله الأسود في الاغتيالات والترهيب، وعلى سلاحه غير الشرعي الذي جعله فوق الدولة والقانون وأي تشريع لا يناسب أجندته. لكنه، مع ذلك، يواجه هذه المرّة اشكالاً بالنسبة في انتخاب رئيس جديد. فأي مرشح يحظى بتزكيته سيعني أن لبنان لن يحصل على المساعدة اللازمة والضرورية لتعافيه الاقتصادي. ثم أن هذا المرشح لن يمرّ بسهولة في البرلمان، ولن يتوانى "الحزب" عن الترهيب والاغتيالات والتهديد بإدامة الشغور الرئاسي. وفي كل الأحوال لا يزال تعديل الدستور وتغيير النظام هدفين استراتيجيين لـ "الحزب" بغية إضفاء "شرعية" على هيمنته وسلاحه.

هذه الحال، بتشابهاتها وسيناريواتها المتقاربة، تختصر بلوغ النفوذ الإيراني في البلدين نقطة كسر العظم، إذ أنه ينطوي على خيارين: إما الرضوخ له أو الحرب الأهلية، وكلاهما مرفوض شعبياً، فالأول يعني تكريس الحكم الفاسد، والآخر ينذر بتفكيك الدولة وتقسيم البلاد. لكن المرشد الإيراني لا يرى أن النفوذ مهدّد، وقد نصح باكراً بالتعامل مع الحراكات الشعبية على أنها "اعمال شغب" لا أكثر، وأن جهات خارجية تديرها، إسوة بالاحتجاجات التي شهدتها إيران نفسها وتقضي عليها بالقمع الدموي. فالمهم عنده أن تبقى السيطرة لـ "الحرس الثوري" على مفاصل الدولة، وعلى القرار السيادي والخارجي والاستراتيجي، وعلى المرافئ والحدود. أكثر من حملة أمنية نفّذتها سلطات بغداد لرفع قبضة الميليشيات عن المنافذ الحدودية وبقي نجاحها جزئياً، فهذه المنافذ مرتع لكل أنواع التهريب ومصدر لتمويل اتباع إيران، لكن الأهم أنها ممرات للأسلحة الإيرانية وتخضع لسيطرة "الحرس"... ولا يختلف الأمر على الحدود اللبنانية مع سوريا، ومع أن للجيش وقوى الأمن وجوداً عند المنافذ الرسمية إلا أن لميليشيا "حزب إيران" والعصابات التابعة له منافذها الخاصة، سواء لتمكينه من انشاء اقتصاده الموازي أو لتسهيل تهريب "الكبتاغون" الذي بات عصب التمويل "الذاتي" لـ "الحزب" بشراكة معروفة مع النظام السوري.

في العراق، كما في لبنان، يعتمد الإيرانيون على تحالف سلاح ميليشياتهم مع فساد الطبقة السياسية، ويصعب فكّ هذا التحالف لأنه قام أساساً على قتل الوطنية والانتماء الوطني، كما يصعب "الإصلاح" لأنه نقيضه. حال الاختراق الإيراني ساهم الاحتلال الأميركي في منحها مشروعية، من قبيل تقاسم النفوذ، فتحوّلت بعد الانسحاب الاميركي عام 2011 الى احتلال بديل أكثر خطورة بارتكازه الى المذهبية ودأبه على إضعاف الدولة وبثّ الفرقة بين مكوّنات المجتمع. اعتقد الاميركيون أنهم نهضوا بالدولة التي فكّكوها، وأقاموا "نظاماً ديموقراطياً" على أنقاض دكتاتورية أسقطوها، وأنشأوا جيشاً هشّاً لا يشكّل تهديداً للدول المجاورة. تلقّف الايرانيون "الإنجازات" الأميركية وقولبوها في خدمة هيمنتهم، والأكيد أنهم لا يفكّرون في أي انسحاب... أما بالنسبة الى لبنان فكان التهديد الإسرائيلي ولا يزال ذريعةً وتغطيةً للاحتلال الإيراني، وهو ينتظر اليوم في عمق جهنّمه اللحظة الفاصلة بين تخلٍّ دولي عنه لمصلحة إيران، وبين توافق دولي على تسليمه "رسمياً" الى إيران.

(عن صفحته - فايسبوك)