رفع العقوبات وتدفّق الأموال ودوام الميليشيات

سياسة

تم النشر في 15 سبتمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

يتعثّر الاتفاق النووي ويتأجّل لأمد قصير أو طويل، لأن إيران تتشدّد بشروطها. يتعقّد ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، لأن دخول "حزب إيران" على الخط أوجب تغيير منهجية التفاوض لعدم اخضاعه للتهديدات والمهل الزمنية. يخرج البحث عن "حل سياسي" في سوريا عن أي مسار أممي، لأن التوافق/ الاختلاف بين أطراف "ترويكا استانا" أوقف التداول في أي خطوة بما في ذلك اللجنة الدستورية العقيمة. تبقى الهدنة في اليمن هشّة ومهدّدة، ويُطالب مجلس التعاون الخليجي بالضغط على الحوثيين كي ينخرطوا في "العملية السلمية لحلّ الأزمة"، لكن الهدنة هي أقصى ما سمحت به إيران لأتباعها، أما المحادثات السياسية فمؤجّلة الى أن تتبلور خطط طهران للمرحلة المقبلة، أو الى أن يُستأنف "الحوار" بينها وبين الرياض، وهو حوار يتعجّل الإيرانيون تفعيله على المستوى السياسي لكنهم لا يفوّتون فرصة لإحباطه. وتستمرّ الأزمة في العراق، مهدّدةً بتصعيد كامن أو بشلل سياسي مقيم، لأن إيران وأتباعها مصرّون على تثبيت نفوذهم كما لو أن الانتخابات (قبل 11 شهراً) لم تخذلهم ولم تُطلق رسالة واضحة بأنهم أصبحوا عبئاً يرفضه البلد.

كم تبدو هذه الوقائع "تافهة" وسقيمة، على رغم أهميتها، متى نُظر اليها من زاوية المعاناة اليومية للبناني والسوري واليمني والعراقي في سعيه الى شيء من الحياة الإنسانية الطبيعية أو ما يشبهها. لا كهرباء ولا ماء صالحة للاستخدام البشري، لا قيمة لرواتب أو لعملة ما عادت تكفي لتأمين الخبر والوقود والدواء والاستشفاء، ناهيك عن كلفة تعليم البنات والأبناء وقد أصبحت من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها قسراً أو طوعاً. كانت هذه الشعوب تتحسّب لكل أنواع المصائب والصعوبات، لكن ما وقعت/ أُوقعت فيه فاق كل تصوّر، فبعدما نُهبت طويلاً إذا بمنظومات الفساد والسلطة (وأُضيفت إليهما "المقاومة") تُفلس "الدولة" وتستكمل إفقار الناس، ليغدو الإفقار وسيلة للحكم والتحكّم، بالأحرى للطغيان. هذه الشعوب المضغوطة باسم "المقاومة" و"الممانعة" لم تعد تمانع أن يأتيها احتلال، أي احتلال، علّه يتيح لها عيشاً سويّاً، ويقيها خطر المجاعة وقسوة الظلمة وذلّ العوز والطوابير.

مآسي المجتمع تُعتبر في نظر الاحتلالات الإيرانية مجرّد نتائج لـ "سياسات صغرى"، كما في إيران نفسها، وضريبة يجب أن تدفعها الشعوب من أجل "عزّتها" و"كرامتها"، لكن العزّة والكرامة هاتين باتتا منذ زمن رهينتي "سياسات كبرى" تديرها إيران وميليشياتها وعصابات التهريب الدائرة في فلكها، حتى أنها تستخدم المفاوضات النووية والعقوبات الأميركية ذريعة لتثبيت احتلالها للدول الأربع، وبالتالي لم تعد متعجّلة لرفعها. وإذ رفضت طهران إقحام أي مسائل سياسية اقليمية في المفاوضات، فإنها تماطل في المسائل التقنية للحصول على تنازلات أميركية بعد التنازلات الأوروبية، ولتتمكّن لاحقاً من استدراج تنازلات أخرى لإدامة سياساتها الإقليمية وصونها... لا يهمها في هذا السياق أن يحصل شغور رئاسي في لبنان، أن تستمر الأزمة والحرب سنة أو سنوات أخرى في سوريا واليمن، أن يقتتل الشيعة ويدوم الانسداد السياسي في العراق، أو أن تدمّر غزة لمرّة رابعة وخامسة. فهذه "تفاصيل" لا تعطّل مشروعها بعدما وضعت الاميركيين والاوروبيين أمام المساومة الكبرى: إما "القنبلة النووية" التي يرفضونها، أو الاعتراف بالنفوذ الإيراني و"قنبلة" ميليشياته الذي يرفضونه أيضاً لكنهم يرونه أمراً واقعاً لا يمكن تغييره إلا بحرب لا يريدونها.

(عن صفحته - فايسبوك)