كيف أصبحت مصارف لبنان "رهينة" المودعين؟

إقتصاد

تم النشر في 17 سبتمبر 2022

تيما رضا

فتحت اقتحامات المصارف في لبنان، الجمعة، فصلاً جديداً في التعامل بين المودعين والمصارف، لا يمكن لأحد التكهن بنهايته.

وبدأت اقتحامات المصارف بالسلاح مع عبدالله الساعي في يناير من العام الجاري، حيث استطاع الحصول على 50 ألف دولار أميركي.

الساعي قال لـ"الشرق" إنه خسر أكثر من 250 ألف دولار بسبب "التعميمات العشوائية" لمصرف لبنان، مضيفاً أنه عندما جاءت "بدعة صيرفة ضخ دولار أميركي من قبل مصرف لبنان، بسعر منافس للسوق الموازية، أخذت قراراً بأنني لن أتخلى عن قرش مما تبقى من أموالي لهذه السلطة".

الساعي أمضى 17 يوماً في الاحتجاز قبل الإفراج عنه بدعم من محامي "رابطة المودعين اللبنانيين"، وعن فترة توقيفه، قال: "أنا لست مجرماً، والتعامل معي جاء في الأطر القانونية، كنت أعلم مسبقاً أنني قد أتعرض للسجن، ومع ذلك لم أتردد للحظة".

وتابع: "رأيت في عيون وتعامل أفراد قوى الأمن نوعاً من التعاطف، أكاد أجزم أن هؤلاء العسكريين كانوا يحترمونني لما فعلت، لأنهم يعلمون أنني لست مجرماً في هذه القضية، إنما المصارف والسلطة السياسية هم المجرمين".

منذ أكتوبر 2019 يرزح اللبنانيون تحت أزمة اقتصادية غير مسبوقة، أدت إلى احتجاز أموالهم في المصارف.

ورغم أن المواطن اللبناني يستطيع الحصول على جزء من أمواله العالقة في المصارف، ولكن ضمن سقوف سحوبات معينة، إلا أنه فقد غالبية قيمتها من دون أي خطة واضحة لاسترجاع الودائع، فضلاً عن التراجع الحاد في قيمة صرف العملة أمام الدولار.

وحده التعميم رقم "158" الصادر عن مصرف لبنان، يجيز للمودع سحب 400 دولار أميركي نقداً، و400 أخرى على سعر صرف 12 ألف ليرة لبنانية (في حين أن سعر الصرف في السوق الموازية تخطي 38 ألف ليرة الجمعة) يحصل على نصفها نقداً والباقي أموال في بطاقة ائتمان، يمكن استخدامها في المشتريات فقط.

الموقف القانوني

وتجدد اقتحام المصارف في عمليات متفرقة، قبل أن يبلغ ذروته الجمعة، إذ وصل عدد الاقتحامات إلى سبعة على الأقل في مناطق مختلفة من لبنان.

وفور حصول المودع على وديعته كاملة أو جزء منها، يُسلم نفسه من دون مقاومة إلى الأجهزة الأمنية سواء كان قد نفذ الاقتحام بسلاح حقيقي أو مزيف، وذلك باستثناء سالي حافظ المتوارية عن الأنظار منذ استرجاعها وديعتها عقب اقتحام مصرف باستخدام مسدس بلاستيكي من أجل تأمين علاج شقيقتها مريضة السرطان.

وهنا يُطرح سؤال يتمثل في كيفية تعاطي القانون مع هذه الحالات؟

المحامي لؤي غندور قال لـ"الشرق" إن "القانون يجرم استيفاء الحق بالذات، ولكن ذلك في حال كان صاحب الحق قادراً على استيفائه عن طريق القضاء. ولكن الأخير عاجز ومعتكف عن القيام بواجباته"، مشيراً في الوقت ذاته إلى ما اعتبره "تآمراً" بين المصارف والقضاء، بحجة "أنه لا يوجد أي صاحب مصرف وراء القضبان في وقت تبخرت 165 مليار دولار من الودائع، دون محاسبة أي شخص".

لكن في الوقت نفسه يحق للنيابة العامة التحرك ضد المقتحمين، حتى لو لم يتم رفع أي شكوى ضد المقتحم. ونظراً إلى وجود سلاح مزيف لدى بعضهم، فإن غندور يوضح أن "القانون يعاقب على احتجاز رهائن وترويعهم، بصرف النظر عمّا إذا كان هذا السلاح مزيفاً أو لا".

المصارف "تواجه"

وأدى مسلسل الاقتحامات إلى إعلان "جمعية مصارف لبنان" الإقفال خلال 19 و20 و21 سبتمبر الجاري، "استنكاراً وشجباً" لما حصل، و"بغية اتخاذ التدابير التنظيمية اللازمة".

أحد مؤسسي "رابطة المودعين"، الباحث نزار غانم، رأى أن خطوة الإضراب "غير مجدية"، معتبراً أنها ستزيد من نقمة المودعين والمواطنين تجاه المصارف. وتساءل: "ما الذي سيحصل بعد فتح المصارف أبوابها؟".

وعن التعطيل الذي يمكن أن تلجأ إليه المصارف بالإضراب المفتوح، قال غانم: "سنقوم بإجبارها على فتح أبوابها، هذه المصارف حتى الآن لم تتحمل أي مسؤولية تجاه الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن سياساتها العشوائية".

وتابع أن المودع "لم يبدأ بالعنف، ولكن بعد ثلاث سنوات من تجاهل مطالبه المحقة، والتقاعس عن وضع أي خطة اقتصادية واضحة لاسترجاع مدخرات المودعين، وصلنا إلى هذه الفوضى".

وأكد غانم أن الرابطة "لا تشجع على العنف، إلا أننا سندعم بكل الأشكال القانونية حقوق المودعين، ولدينا شبكة من المحامين داخل الرابطة وأصدقاء لنا مستعدون للدفاع عن أي مودع ومؤازرته في حال توقيفه".

وأشار إلى أن الحل الوحيد هو "خضوع المصارف لشروط صندوق النقد الدولي، والبدء بتنفيذ عملية إعادة الهيكلة، والبحث بحوار جدي مع مهل واضحة تعيد للمودعين حقوقهم".

تشدّد أمني

وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي، اعتبر بعد اجتماع لمجلس الأمن المركزي، أن حوادث اقتحام المصارف "تهدم النظام وتؤدي إلى خسارة بقية المودعين لحقوقهم".

وشدد على أن اجتماع المجلس "ليس الهدف منه حماية المصارف بل حماية البلد وحفظ النظام وحماية حقوق المودعين"، ملمحاً "إلى أجندة من وراء التحركات".

المولوي أكد أن مدعي عام التمييز وممثل النيابة العامة التمييزية أبلغاه أنه ستكون هناك "إشارة خطية صباح الاثنين بشأن هذا النوع من التصرّفات".

المحامي لؤي غندور، لم يستغرب الكلام الصادر عن وزير الداخلية، إلا أنه تساءل "أليس من المخجل أن نرى قضاءً معتكفاً ضد حقوق المواطنين، يحضر للتحرك ضد مَن يطالب بحقه؟".

"ليس أزمة مالية فحسب"

الخبير الاقتصادي والمصرفي اللبناني نسيب غبريل، اعتبر في تصريح لـ"الشرق"، أن ما يعانيه لبنان "ليس أزمة مالية فحسب، وإنما هي أزمة سوء استخدام السلطة السياسية، والتدخل السياسي بالمرافق العامة ذات الطابع الاقتصادي، وسوء إدارة القطاع العام، وسوء إدارة للأزمة".

وتابع أن "عدم الالتزام بالمهل الدستورية، وعدم التعاون مع صندوق النقد الدولي إشكالية كبرى تؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية"، مضيفاً: "المودع يريد إجابات عن 3 أسئلة: ما مصير ودائعه؟ ما الطريقة التي سيستردها بها؟ وبأي مهلة زمنية سيتمكن من التصرف بها؟".

واعتبر أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستؤدي إلى "تطمين المودع، واستعادة الثقة بالاقتصاد"، داعياً "السلطة السياسية والمصارف إلى تحمل مسؤوليتها تجاه المودعين، لأن استعادة الثقة هي الخطوة الصحيحة على طريق الحل".

في مقابل ذلك، وفي ظل تجاذب سياسي من قبل الفرقاء السياسيين المسؤولين عن إدارة أزمة اقتصادية بات حملها ثقيلاً جداً على المواطن اللبناني، أرجأ رئيس المجلس النيابي نبيه بري جلسة مناقشة الموازنة العامة إلى ٢٦ سبتمبر الجاري لعدم اكتمال النصاب القانوني.

اقتحامات شعبية

ونظراً إلى أن غالبية الشعب اللبناني يعاني من نفس الأزمة مع المصارف، باستثناء ما ندر، حازت عمليات الاقتحام على تأييد شعبي في الأوساط اللبنانية.

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات مؤيدة لعمليات الاقتحام، أبرزها "ما أُخِذَ بالقوة لا يُسترَد إلاّ بالقوة"، في إشارة دعم لمقتحمي المصارف الذين نالوا جزءاً من مدخراتهم.

الكاتب الاقتصادي عماد شدياق لفت في تصريح لـ"الشرق"، إلى خطورة تلك العبارات، معتبراً أنها قد تؤدي إلى "فوضى خطيرة قد تؤثر سلباً على باقي المودعين".

واعتبر أن الحل الوحيد، في ظل غياب الدولة عن طرح خطة متكاملة لإعادة الودائع، "يبقى بالحوار بين المودعين والمصارف للوصول إلى حل يرضي الجميع".

المصدر: الشرق - تيما رضا