لبنان "ميّاس" أم لبنان "حزب إيران"؟

سياسة

تم النشر في 21 سبتمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

وسط موجة اقتحامات المصارف يعلو الحديث مجدّداً عن انفجار اجتماعي متوقّع وآتٍ في لبنان، بالتوازي مع معلومات أو اشاعات تروج هنا وهناك عن أن حالاً (أو حالتين) من هذه الظاهرة ربما كانت "حقيقية" أما البقية فكانت مرتّبة، ويشار الى أطراف خطّطت لها. لا يمكن الرهان على أي مرجع في الدولة أو القضاء لجلاء الأمر. بالنسبة الى عموم الشعب يمثل اقتحام المصرف للحصول على أموال، لدفع تكاليف علاج مريض أو مريضة، "عمل طبيعي" للردّ على المظالم التي استشرت وأفقرت معظم اللبنانيين، وعلى المهانات التي يتعرّضون لها في تعامل المصارف معهم من احتجاز الأموال ووضع قيود على التصرّف بها إلى الاستمرار في التهرّب من مسؤوليتها في الأزمة. والمفارقة أن القضاء الذي يريد ملاحقة المقتحمين، تطبيقاً لنصّ القوانين، هو نفسه القضاء الذي لا يجد قوانين لقبول دعاوى الناس ضد الذين نهبوا أموالهم. الأرجح أن الاقتحامات ستتوقف، بعد اضراب المصارف، فكل أطراف المنظومة تبادلت الرسائل: لا بدّ من التحكّم بـ "الانفجار الاجتماعي" لإجهاضه.

وفي جدل "لبنانكم ولبناننا" بدا واضحاً أن البلد عند مفترق كياني. لا، ليس شخص الرئيس المقبل هو ما سيحدّد الوجهة المقبلة، ولا تعويم حكومة يقول رئيسها "الناس تسرقنا" من دون أن يشرح أي ناس يقصد، ولا ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل خصوصاً بعدما نُزع منه موقتاً فتيل المواجهة... بل اتيحت لحظة في الأيام الأخيرة للتمييز بين "لبنانَيْن" اثنين لم يعدْ ممكناً أن يلتقيا أو يتوحّدا ما لم يحسم أحدهما خياراته المستقبلية بعقلانية راجحة: بات يمكن اختصار "لبناننا" بأنه لبنان "ميّاس"، و"لبنانكم" بأنه لبنان "حزب إيران/ حزب الله".

الواقع فرض نفسه بقوّة، كذلك المقارنة، في ضوء/ أو بالأحرى في عتمة ما يعيشه اللبنانيون. فالأول، "مياس" انبثق من هذه العتمة متمرّداً عليها برسالة ثقافية فنية حضارية انتزعت اعجاب العالم وكان الأكثر تعبيراً عن "لبناننا" وما يستطيعه أبناؤه ومن دون لغو خطابي وعنتريات جوفاء، ولم يكن تمجيداً بماضٍ لا ينفك يندثر، بل صورة إنسانية راقية من مستقبل لبناني لا بدّ أن يكون. أما الآخر، لبنان "حزب إيران" فارض العتمة وحارسها، فهو المشهد الجهنمي المتواصل منذ زمن لكنه بلغ أخيراً أهدافه (المرحلية)، "فوضى وخراب ودمار وفقر وتهريب كبتاغون وسرقة أموال الناس وطوابير الذلّ وانقطاع الأدوية والكهرباء والماء، وصولاً الى الذين يبحثون عن قوت في النفايات..."، أما الأهداف الأهم التي يرى "الحزب" أنه على وشك تحقيقها فتتمثّل في شرعنة وضع يده على الدولة التي اجتهد لجعلها "لادولة"، وفي حبس لبنان في قمقم الملالي لإنهاء حرّياته وإنسانيته وعالميته، فضلاً عن عروبته.

إذا كان هناك اختيار فلا شك اللبنانيين اختاروا "لبنان ميّاس" غير المعترف بـ "لبنان حزب إيران"، وإنْ تمرّغ السياسيون على اعتابه ليواصل رعاية فسادهم المالي والسياسي والاخلاقي، سواء بتقسيم المسيحيين لضرب "النظام" الذي صنعوه ولحاجته الى "غطاء" يوفّرونه لأجنداته، أو بتقسيم السنّة ليسود عليهم ويفسد دورهم في حماية "الدولة"، أو بالسيطرة على الشيعة ليشوّه "الوطنية" التي تميّزوا بها.

(عن صفحته - فايسبوك)