المهم أن خطر الحرب انحسر

سياسة

تم النشر في 5 أكتوبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

تفاخر لبنان الرسمي بأنه يتعامل مع العروض والاقتراحات الأميركية والإسرائيلية لترسيم الحدود البحرية بـ "موقف موحّد"، كما لو أنه انجازٌ وتضحية بالخلافات الداخلية وإظهارٌ لـ "التضامن في مواجهة العدو". وأوحى "حزب إيران/ حزب الله" بأنه صانع هذا الموقف، لكن الوسيط الأميركي هو من طلبه لامتحان جدّية الجانب اللبناني، ولكي يوفّر الوقت واللغط بعد جدل الخطّين 23 و29، بل كان الوسيط أيضاً أول من دشّن الاجتماعات مع ترويكا الرئاسات، وهو الذي طلب أن يكون الردّ على أي ورقة يطرحها مبنياً على نقاشٍ وتداولٍ وتوافقٍ على هذا المستوى. ويعرف الوسيط، كما الجانب الإسرائيلي، أن "حزب إيران" هو الطرف الرابع مع الترويكا، لكنه أوضح أنه يتعاطى مع الدولة اللبنانية مثلما يفعل مع الدولة العبرية، وبالتالي فإنه غير معنيٍّ بطرف آخر مستتر ممثّلٍ ببعض الحاضرين في قاعة قصر بعبدا أو جالس في غرفة مجاورة.

على رغم التشديد على الموقف الموحّد فإن طرفين في "الرباعية"، "التيار العوني" و"الحزب"، يريد كلٌّ منهما أن تُسجّل له أبوة اتفاق الترسيم، وأن يُعترف بفضله الأول والأكبر في انجاز الاتفاق: "التيار" لأن زعيمه ميشال عون يعتبر الترسيم إرث مروره برئاسة الجمهورية بل الإرث الوحيد، و"الحزب" لأنه ممتلئ اقتناعاً بأن الترسيم ما كان ليمرّ لولا موافقة طهران، ولولا الطائرات المسيّرة التي أطلقها في اتجاه حقل كاريش، ولولا التهديدات والمهل الزمنية التي حدّدها، علماً بأن المهل الواقعية تتعلّق بجهوزية إسرائيل للبدء باستخراج الغاز تمهيداً لتسويقه، وما كان لها أن تفعل ذلك عنوةً طالما أنها في حال تفاوضٍ مع لبنان.

في المبدأ ليس مهمّاً مَن صاحب الفضل إذا كان يمثّل المصلحة اللبنانية، أي مصلحة اللبنانيين جميعاً، وإذا كان يعمل لها ويستوحيها. وبالنظر الى واقع الأزمة/ المحنة اللبنانية والخطر المحدق بالدولة والجمهورية لم يعد مهمّاً مَن يُسجَّل الترسيم في إرثه. المهم أن أشباح التوتر والتصعيد والحرب انحسرت الآن، أو هكذا تبدو، بعدما خفّ زخمها تدريجاً بناء على "الرسائل" التي وصلت الى إيران و"حزبها" وكانت واضحة بأن أي تصعيد سيُقابل بتصعيد أكبر لا يحتمله لبنان، وأن الإصرار على التهديد بإشعال حرب وتحريك "الساحات الموحّدة" سيكون مُكلفاً جداً.

اتفاق الترسيم ليس خطوة تطبيعية، وهذا ما رضخت له اميركا وإسرائيل من أجل مصلحة الأخيرة في تصدير الغاز، كذلك في "تعزيز أمنها واقتصادها" كما أكد رئيس وزرائها في معرض ترويجه للاتفاق. وما يضمن "حال الاستقرار" التي ستنشأ أن لبنان سينخرط بدوره في بناء البنية التحتية للتنقيب عن النفط والغاز، وليس في مصلحة "حزب إيران" أن يتسبب بأي توتّر قد يدفع شركة "توتال" الى الرحيل مجدّداً، فعدا أعمالها التقنية ستكون "توتال" مسؤولة عن توزيع عائدات جزء من حقل قانا خارج الخط 23 لئلا يُعتبر هذا التداخل "شراكة" أو يثير اشتباهاً بـ "تطبيع". المفارقة أن إسرائيل هي التي تبدو الآن في حاجة الى "موقف موحّد"، وكان لافتاً أن نتانياهو الطامح للعودة الى منصبه يتهم خصمه لبيد بأنه يتخلّى عن "مساحة إسرائيلية سيادية" للبنان، متجاهلاً أن كل ما تعتبره اسرائيل "سيادياً" هو سرقة في واقع الأمر.

(عن صفحته - فايسبوك)