أيُّ مبرّر لسلاح "حزب إيران" بعد الترسيم؟

سياسة

تم النشر في 19 أكتوبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

لم تكن هناك شفافية تُذكر في أداء الجانب اللبناني خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل ومراحلها الممتدة لأكثر من عشرة أعوام. ولا شفافية حتى بعد التوصّل الى اتفاق والحفاظ عليه سريّاً. إمّا أن يكون في النصّ ما لا يُراد له أن يُعرف، وإما أن يكون فيه ما يفضح خلفيات لا يصحّ أن تُكشف الآن. ليس فقط أن الخط 23 منح لبنان حقل قانا بـ "سيادة" كاملة لكن بثروة ناقصة 17 في المئة تطالب إسرائيل بتعويضات دائمة عنها، بل ان ابراز الخط 29 باعتباره الأساس الجغرافي والعلمي للترسيم ثم التخلّي عنه سيظل شاهداّ تاريخياً على أن لبنان ارتضى أن يخسر مع إسرائيل مذعناً للتهديد الأميركي بسحب الوساطة، كما خسر مع قبرص للسبب نفسه، ومع سوريا راضخاً لإرادة إيران و"حزبها". أي "الحزب" الذي يحتفل بالاتفاق على أنه "انتصار" تحقق بفضل مسيّراته التي حلّقت فوق حقل كاريش.

ما كسبته إيران من الاتفاق لن يعلن عنه، لأنه ربما ينضوي في سياق تخفيف غير معلن للعقوبات الأميركية على صادراتها النفطية، فواشنطن لا توقف المراهنة على إيران أيّاً تكن مآلات التفاوض النووي. وما كسبته إيران أن اتفاق الترسيم أضفى على "حزبها" مزيداً من المشروعية الداخلية، إذ أن الاميركيين والإسرائيليين يعرفون أنه لولا موافقة "الحزب" لما كان الاتفاق، لكنهم مدركون أن موافقته تتجاوز "عقيدته" وإنْ لم يعترف بذلك، بل انه دعم "التنازلات" لإسرائيل ليأخذ مقابلاً لها في الداخل اللبناني. هذا ما يفسّر تبشيره بـ "عودته" الى لبنان، إذ يتّضح أن هدفه من هذه "العودة" الاستيلاء على الثروة البحرية، بحجة أنه هو من استعادها، بالتعاون مع حليفه "العوني".

لم يتأخر الحليفان في إعادة تعويم أحدهما الآخر اعتماداً على الاتفاق/ "الانتصار"، فـ "حزب إيران" يعتبر أن ظروف البحث عن رئيس جديد وشروطه تغيّرت، أما الحليف "العوني" فيعتقد أن حظوظ جبران باسيل تحسّنت. والاثنان كانا مع أطراف أخرى وراء عملية التلاعب بالبنية القانونية الحاكمة للثروة البحرية، سواء بمرسوم يعدّل قانون النفط (2010) فيلغي الشركة الوطنية للنفط، بل يلغي الصندوق السيادي، ليُدخل "شركات خاصة" على الخط بين الدولة والشركات الكبرى المستثمرة في البلوكات اللبنانية، أو بمرسوم آخر يُدخل "شركات وسيطة" ذاعت شهرتها بأنها "وهمية" لتقرصن عائدات الثروة البحرية بأسماء مغفلة، قبل أن يصل شيء يسير منها الى خزينة الدولة.

السؤال المطروح اليوم لبنانياً هو: أي مبرّر، بعد الترسيم والتأهب للبحث عن الغاز والنفط، لوجود "حزب إيران/ حزب الله" بسلاحه وطبيعته وشكله وثقافته واسمه؟ صحيح أن المشتغلين على الاتفاق يتفاخرون بأنهم استطاعوا أن يفرضوا على الوسيط الأميركي استمرار حال الحرب واستبعاد "التطبيع" أو "السلام" مع العدو، لكن مبالغتهم في التذاكي لا تنفي ثلاث حقائق: أولاً، أن التساهل الأميركي كان لتمكين إسرائيل من تصدير الغاز وفقاً لجدولها الزمني. ثانياً، أن "الاستقرار" الذي يتطلّبه استثمار الثروة البحرية يقصي احتمالات الحرب لدى الجانبين ويشكل حال سلام دائم ولو غير معترفٍ بها. ثالثاً، أن الاحتفالات بـ "النصر" الزائف لا تحجب الترتيبات الوقحة لعمليات النهب المقبلة... سيكون هناك أكثر من "17 تشرين" للتخلّص من المافيا والميليشيا الطامحتين لمواصلة سرقة لبنان واللبنانيين.

(عن صفحته - فايسبوك)