الاستقلال في زمن الاحتلال

سياسة

تم النشر في 25 نوفمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

مرةً أخرى حلّت ذكرى استقلال لبنان وسط فراغ رئاسي واستعصاءٍ في انتخاب رئيس جديد، لتؤكّد أن الاستقلال تحوّل منذ 1973 تحديداً وما تبعه من حروب أهلية وإقليمية، الى مجرّد فكرة هائمة لا معنى ولا تجسيد لها على الأرض، بفعل احتلال "أخوي" (فلسطيني) فتح الأبواب لاحتلالات "عدوّة" (إسرائيل) أو "شقيقة" (سوريا) و"صديقة" (إيران) أكثر تخريباً من العدوّ نفسه. هو كان "فكرةً" في الأصل، ولم تصبح واقعاً إلا بإرادة العيش المشترك والقبول بالتعدّدية والتنوّع. كان هذا تميّزاً قوياً ومبكراً في المنطقة، وظلّ دائماً موضع استهداف من العدو والصديق، واختراقٍ من قوى خارجية تريد التحكّم بالمنطقة والعبث بعروبتها.

تمثّل الهيمنة الاحتلالية الإيرانية الراهنة، متنكّرةً بـ "حزب الله" وسلاحه غير الشرعي، لحظة الذروة في تفجير الصيغة اللبنانية، وترمي الى ترسيخ الاحتلال ومأسسته، كي يُلغى "الاستقلال" نهائياً ويُستبدل بهراء الشعارات المعروفة. ويعني ذلك منع مرور "الرئيس السيادي" أو أي رئيس عقله في رأسه، لإحلال وفرض "الرئيس/ المرؤوس الخانع" المرتهب بتلويح حسن نصرالله بسبابته. ولهذا الخوف أسسٌ متراكمة، منذ اعتُبر اغتيال رئيس الحكومة مجرّد ثأر حزبي (رياض الصلح) ثم صار انتخاب الرؤساء يُجرى تحت الضغوط في البرلمان أو في أي مكان مُتاح، ثم أصبح قتل رؤساء الجمهورية (بشير الجميّل ورينه معوّض) والحكومة (رشيد كرامي ورفيق الحريري) وقائع تبرّرها صراعات خارجية أو "تكليفات جهادية". حين دُفع اغتيال رئيس يوم عيد الاستقلال، بعد أيام من انتخابه باسم "وفاق الطائف"، الى طيّات النسيان، كان ذلك إيذاناً بنهايات وتفكّكات كثيرة ستأتي لاحقاً: الوفاق، العيش المشترك، الديموقراطية ولو بأدنى درجاتها، الجمهورية، الدولة، المؤسسات، النظام المصرفي، العملة، طريقة العيش...

خطورة اللحظة الراهنة أنها في صدد إلغاء تاريخية الدور المسيحي المتقدّم في الحصول على الاستقلال، لمصلحة دور شيعي مهيمن يريد فرض "الاستقلال الثاني" بمفاهيمه الإيرانية التي تواجه حالياً انتفاضة شعبية ضدّها في إيران نفسها. لا تجرؤ الدول الكبرى على تبنّي "المؤتمر الدولي" الذي يدعو إليه البطريرك بشارة الراعي، أما فرنسا التي تبنّت الاستقلال الأول وانسحبت من لبنان فتفسح في المجال لدور إيران التي داست هذا الاستقلال وليس في نيتها أن تنسحب يوماً، لأن أدوات احتلالها مذهبية محلية أو أخرى مستتبعة. ليس جديداً أن تعمل الجهات الدولية مع قوى الأمر الواقع للحفاظ على جلّ مصالحها حين يتعذّر الحفاظ عليها كلّها. أقصى ما تطمح إليه فرنسا حالياً أن تكون لها "حصّة" في لبنان الإيراني، وتبرّر ذلك بأنها "واقعية" لا انتهازية لكنها تعلم مسبقاً استحالة "التوافق" بينها كدولة طبيعية وضعت "انقاذ لبنان" هدفاً لها وبين دولة استبدادية ساهمت مباشرةً في كل ما أدى الى انهيار لبنان. ستكون "حصّة" فرنسا وهمية وستستخدمها إيران للإيهام بأنها لا تستفرد لبنان ولا تعزله عن محيطه العربي وعن العالم.

يُظهر الاستعصاء في انتخاب رئيس أن "حزب إيران/ حزب الله" عاجز عن انتاج "توافق"، سواء بين حلفائه/ أتباعه، أو بالأخصّ بين اللبنانيين، وأسوأ العجز أن لا يكون لديه سوى مرشّحَين يلغي - لحسن الحظّ - أحدهما الآخر. خلافاً لمسيحيي مطلع القرن الماضي، لا يبدو هذا "الحزب" مؤهّلاً لتأسيس استقلال آخر مبني على الوفاق والعيش المشترك. حين يدعو "الحزب" الى "التوافق" فهو يعني "التنافق"، وعندما يقول "توافق" فهو يعني "تَعا وافق" على مرشحي الأوحد.

(عن صفحته - فايسبوك)