خامنئي والشعوب و... "القلوب"

سياسة

تم النشر في 1 ديسمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

خروج المرشد الإيراني الى الواجهة، متحدّثاً عن "الثورة الإسلامية" التي انتقلت الى شعوب المنطقة و"غيّرت القلوب" لمصلحتها، ليس سوى هروب من "قلوب الإيرانيين" التي تغيّرت الى حدّ كبير ضد نظام الملالي و"الثورة" التي تتساقط قيمها ومفاهيمها لدى مَن يُفترض أنهم/ أنهن أساس قوّتها. يشير علي خامنئي الى دول الجوار بأنها "العمق الاستراتيجي" الذي تصول فيه إيران وتجول بفضل "حرسها" وميليشياتها، متجاهلاً أي أزمة أو إزعاج في العمق الإيراني الداخلي بعدما تكشّفت تشققاته. لم تعد "الثورة" وأدواتها قادرة على جمع الإيرانيين وردم الهُوى بين النظام ومكوّنات المجتمع، مع ما في ذلك من أبعاد أمنية وسياسية واجتماعية وثقافية. أما الاعتماد على إرهاب "الحرس" لإبقاء السيطرة فمكلف جداً من دون أن يضمن النتائج طالما أن النظام يفتقد رؤية جديدة لمستقبله لا يرى سوى البطش و سلوكاً ووسيلةً لبقائه.

ومع أن "العمق الاستراتيجي" الخارجي لا يقل إشكالاً عن العمق الإيراني الداخلي، إلا أن المرشد يبدو مطمئنّاً الى "الانتصارات" التي تحققت فيه ضد الولايات المتحدة، إذ أن أتباعه تمكّنوا أولاً من تعطيل أي خروج من الأزمة في سوريا، وثانياً من ضرب كل مسار تغييري بعودتهم الى الحكم في العراق وبالتهيّؤ لضرب أكراد إيران في شمال العراق، وثالثاً من الحفاظ على مكاسبهم في اليمن، ورابعاً من الاستعداد لمواجهة مع الإسرائيليين في الضفة الغربية، وخامساً من ترسيم حدود لبنان البحرية مع إسرائيل بعدما أجهضوا "انتفاضة 17 تشرين" وهم يمارسون الآن أقصى التعنّت لفرض رئيس مماثل للرئيس الذي فرضوه سابقاً وفوّضوا إليه قيادة لبنان الى الهاوية.

من الواضح أن المرشد لا يستطيع الحفاظ على هذا "العمق الاستراتيجي" إلا بمواصلة التأزيم والخراب الى ما لا نهاية، لكنه كما راكم "الانتصارات"/ الأخطاء في الداخل فإنه يراكمها أيضاً في الخارج، وكما برهن الإيرانيون فرساً وأكراداً وآذريين وبلوشاً وعرباً أن نظام المرشد بات مأزوماً في الداخل وأن المعركة معه طويلة، فإن "مراكز النفوذ" الخارجي أكثر تأزّماً ولا يمكنها أن تقبل لهذا النفوذ أن يدوم أبداً. لكن خامنئي يكرّر حالياً دعوته القوى الدولية الى الدخول في صفقات لترميم هذا النفوذ و"شرعنته"، منطلقاً من أنه "هزمها" وما عليها سوى الإذعان، غير أنه لم يهزم في الواقع سوى شعوب يعتقد أن "قلوبها" معه، بما في ذلك شعب إيران، كما أنه لم يفعل سوى تخريب دول وجيوش ومجتمعات يعتقد أن ولاءها له أبديٌ لا يتزعزع. من الممكن أن يحصل على "صفقات" يراها مجزية لكنها فعلياً تُغرقه في الأوهام والأخطاء.

هذا هو النمط الذي ينطبق على ما يعتقده خامنئي "صفقة" مجدّدة مع الأميركيين في العراق، مع محمد شياع السوداني كنسخة من نوري المالكي مع شيء من التنقيح، لكن بغداد تبدو مدفوعة الى أزمات "منقّحة" أيضاً مع إقليم كردستان وتركيا وإلى برودة وتراجع في العلاقات مع الجوار العربي. ويمكن أن ينطبق النمط نفسه على أي "صفقة" في شأن الرئاسة اللبنانية، للمجيء بنسخة منقّحة من ميشال عون، فتفرض إيران إرادتها، ويتركها الاميركيون والفرنسيون والسعوديون تحتفل بهذا "النصر" وبالغرق في أزمة لبنانية لا تملك حلّاً لها.

(عن صفحته - فايسبوك)