زيارة السوداني إلى طهران.. أمن العراق أم إيران أولاً؟

سياسة

تم النشر في 5 ديسمبر 2022

تيما رضا

"حفظ أمن إيران وعدم التساهل مع أي إخلال به" عنوان رئيسي طغى على زيارة رئيس الحكومة العراقية إلى إيران، وإن لم يكن العنوان الوحيد.

في زيارته الخارجية الثالثة، حط محمد شيّاع السوداني في طهران في زيارة تحمل من المعاني بقدر ما تحمل من ملفات.

الزيارة "الودية والطبيعية" في العلاقات بين البلدين، أتت بُعيد "تململ" عراقي من هجمات إيرانية على مواقع وتنظيمات كردية إيرانية في إقليم كردستان. "تململ" قابله استنكار إيراني للمواقف العراقية.

"رفض التدخلات"

مصدر متابع للعلاقات العراقية الإيرانية فضّل عدم الكشف عن اسمه، قال لـ"الشرق" إن "العراق لن يسمح بكل تأكيد بأن تكون أراضيه معسكراً يهدد دول الجوار، سواء إيران أو تركيا أو أي بلد آخر، لكن بشرط أن تقوم هذه الدول باحترام سيادة العراق. بالتالي فإن رفضه للتدخل العسكري التركي ينسحب على رفض العراق لأي خطط إيرانية للتغول في شمال العراق ومحاربة الجماعات المعارضة للسلطات الإيرانية".

وأضاف: "على الرغم من أن رئيس الحكومة العراقية نقل وجهة النظر هذه إلى المسؤولين الإيرانيين، وأكد أنهم احترموا ذلك، بشرط أن يتعهد العراق بحل الإشكال الأمني الخطير الذي يواجه إيران بسبب هذه الجماعات المنتشرة على الأكثر في أربيل، إلا إنه لم يصدر عن اللقاء أي ضمانات تتعلق بوقف القصف الصاروخي ضد جيوب المعارضة الإيرانية داخل العراق".

وقال المصدر إن "الإيرانيين كانوا واضحين لجهة الإصرار على استهداف أي موقع تتوفر عنه معلومات بأنه يشكل تهديداً ضد أمنها، وخلال ذلك ينتظرون ما ستسفر عنه الإجراءات العراقية".

وتحدث المصدر عن "اتهامات إيرانية لأطراف داخل إقليم كردستان بأنها توفر دعماً غير مباشر لتلك الجماعات، من باب التعاطف القومي الكردي".


"مخاوف عراقية"

وعما إذا كانت المطالب الإيرانية تخدم الداخل العراقي مثلما تخدم مصالح طهران؟ قال الكاتب والإعلامي العراقي مازن الزيدي لـ"الشرق"، إن هذه المخاوف الإيرانية، إنما هي من مصلحة العراق، لئلا يتحول إلى بؤرة لزعزعة أمن دول الجوار، وهذا محظور دستورياً وضمن الدستور العراقي هناك مادة تحظر وتمنع أن يتحول العراق إلى منطلق للاعتداء على دول الجوار".

وأضاف: "تشعر إيران بخشية وتوجس من هذا النشاط المسلح وحتى الإعلامي، ولذلك تضغط على الحكومة العراقية ليتولى الجيش العراقي، الجيش الاتحادي، او قوات الأمنية الاتحادية ضبط الحدود بينها وبين المناطق الكردية في شمال العراق"، مشيراً إلى أن ما تريده إيران "ليس مطالب بقدر ما هو توجسات ومخاوف، تلح إيران لتبديدها على الجانب العراقيظ".

وشدد على أن "دعوة إيران إلى أن يتولى الجيش العراقي ضبط الحدود في الشمال، تصب بالمحصلة والنتيجة في صالح سيادة العراق ووحدته وهيبة الجيش العراقي واستعادة مكانته".

ورداً على سؤال حول توقيت زيارة السوداني، قال الزيدي: "نحن نؤثر ونتأثر بما يدور في الدول التي تجمعنا بها علاقات تاريخية واقتصادية، وإيران لها حصة الأسد من هذه العلاقات الإقليمية. ولا يخفى أن إيران لديها وضع خاص بسبب العقوبات الدولية وبالتالي تحتاج إلى اهتمام أكثر باعتبار أن وضعها الإقليمي والدولي الصعب. والعراق مهتم أن تكون إيران مرتاحة مع الوضع السياسي الجديد في داخله".

"دعم المرشد"

من جهته، رأى الدكتور في "جامعة أهل البيت" غالب الدعمي أن |الحكومة العراقية قائمة ومدعومة من أصدقاء إيران في العراق، وهم أقوياء في السلاح وفي المال، وبالتالي فإن حصول دعم من المرشد تحديداً يقوض أي ضغوط على السوداني من داخل اطراف الفصائل والأحزاب السياسية الشيعية".

واعتبر الدعمي أن "زيارة السوداني إلى إيران هي للتأكيد بأن العراق لن يوقف النشاط الاقتصادي والسياسي والأمني مع إيران، ولن يشكل خطراً عليها، وأن حكومة بغداد ستعمل باتجاه توثيق هذه العلاقات وزيادة التبادل التجاري، وعدم وقف المساعدات التي تقدم من العراق إلى إيران من خلال الدعم عبر الشركات والإحالات والمناقصات وغيرها".

وأضاف: "هناك جانب مهم من الزيارة، إذ أراد السوداني منها، كسب إيران كرئيس وحكومة ومرشد، بدلاً من أن يكسب أصدقاء إيران في العراق، ليكون الشخص الأكثر ثقة بالتعامل مع طهران ما يساعده في ضبط الداخل العراقي إلى حد بعيد".

ازدواجية مواقف

يأخذ الحيز العسكري والأمني شقاً كبيراً من النقاش حول العلاقات العراقية الإيرانية، وخصوصاً في ظل الانقسام بشأن الدور الإيراني في الداخل العراقي. وكان لافتاً أخيراً، طلب طهران من بغداد نشر قوات عسكرية عراقية على حدودها، على الرغم من أنها تعتبر طرفاً داعماً لميليشيات عدة في الداخل العراقي.

وفي هذا السياق، قال الإعلامي والخبير بالشؤون العربية-الإيرانية حسن فحص لـ"الشرق" إن "ثمة إشكالية قانونية ودستورية في المطلب الإيراني بنشر قوات عراقية على الحدود". وأضاف: "صحيح أن الميليشيات الإيرانية أو الفصائل التابعة لطهران، قادرة على أن تفرض رأيها وسيطرتها داخل محافظات عراقية وفي المناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية، إلا أن الحدود مع إيران هي أيضاً حدود مشتركة مع إقليم كردستان".

وأضاف: "يقول الإيرانيون إن المسلحين يخرجون من كردستان ولذلك فإن الميليشيات التابعة لإيران لا تستطيع أن تكون فاعلة في تلك المناطق. ومن هنا كان طلب طهران من الحكومة الاتحادية، لأنها بحكم الدستور مسؤولة عن حماية الحدود".

أعضاء من البشمركة الكردية الإيرانية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني يتفقدون الأضرار بعد هجوم صاروخي على مقرهم في كويسنجق، على بعد 100 كيلومتر شرق أربيل. في 8 سبتمبر 2018. - AFP

وعمّا إذا كان الطلب الإيراني المذكور (نشر الجيش على الحدود) يتعارض إلى حد ما مع مد طهران "ميليشيات عراقية" بالسلاح وهو ما يعتبر شكلاً من أشكال دعم تفلت السلاح في العراق، يتهم مناهضون للخط الإيراني في العراق ومقربون من التيار الصدري إيران بـ "دعم الميليشيات التي تقتل ولا تحافظ على السلم الأهلي، وأنها تريد أضعاف أي حكومة عراقية اذا خرجت عن طاعتها". ويرى هؤلاء أن "إيران دولة تبحث عن مصالحها وتسعى للسيطرة على العراق، فتقوم بنشر مسلحين وميليشيات، وتهدد كل من يعارضها، محافظات، ودول مجاورة، ووصل التهديد إلى إربيل".

الرأي الوارد أعلاه، لا يوافق عليه مقربون من "الإطار التنسيقي"، إذ يعتبرون أن الفصائل المسلحة في العراق هي امتداد للفصائل التي واجهت "داعش"”، معترضين على تسميتها بالـ"ميليشيات"، على اعتبار أنها "فصائل لا تزعزع سيادة الدولة، وفي خطابها المعلن تؤكد دفاعها عن سيادة البلد، مثلاً منع استفتاء إقليم كردستان الذي كان بالمحصلة سيقضي إلى تقسيم العراق، وهي أيضاً قوة أساسية في تحرير الأراضي من داعش الذي كان يمثّل مشروعاً لتقسيم العراق على اساس طائفي تكفيري".

ويؤكد هؤلاء أن "الفصائل المذكورة، لا تكتم علاقتها مع إيران ولا تخفيها، وتقول إن نشاطها غير موجه ضد السيادة العراقية بل هو في صميم دعم تلك السيادة بشكل واضح بالتالي ليست هناك ازدواجية على هذا المستوى".


وفي ما يتعلق بتلبية طلب قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" إسماعيل قآاني بنشر الجيش على الحدود يقول غالب الدعمي، إن "دولة الشعب العراقي تبارك أي خطوة تحصر السلاح بيدها، وليس بيد فصائل أو جهات حزبية وسياسية"، لافتاً إلى أن "خطوة الحكومة العراقية بنشر الجيش الاتحادي على الحدود بين العراق وإيران، تصب في صالح العراق أيضاً”، متمنياً "أن تنسحب هذه الخطوة على الجانب التركي".

وساطة عراقية

المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران واليمن ودول الخليج مايكل نايتس، قال لـ"الشرق": "في طلبها بشأن ضبط الحدود، تريد إيران أن تصور التحركات الداخلية على أراضيها وفي طليعتها انتفاضة المرأة، على أنها مؤامرة بتحريض من الخارج. وهذا ما يلجأ إليه النظام الإيراني عادة".

ورأى نايتس أن "زيارة السوداني إلى طهران قبل زيارته المملكة العربية السعودية ذات دلالات واضحة"، لافتاً إلى أن "الترحيب الإيراني الذي لقيه السوداني في طهران على خلاف ما حدث مع رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي، يعبر عن ارتياح إيران لوجوده (السوداني) على رأس الحكومة العراقية".

حوارات غير معلنة

وفي ما يتعلق بالقضايا الأساسية التي بحثها السوداني خلال زيارته طهران، قال مازن الزيدي (المقرب من رئيس الحكومة العراقية) إن "نقاشات رئيس الحكومة تطرقت إلى مواضيع ذات اهتمام مشترك بين إيران والعراق، وأهمها حالياً هي استمرار قناة الوساطة العراقية بين إيران والسعودية". وقال: "بحسب معلوماتي الخاصة، فإن السوداني رعى حوارات غير معلنة بين قيادات إيرانية تضم مسؤولين أمنيين إيرانيين وسعوديين". وشدّد الزيدي على أن "الجانب العراقي يحضّر للقاء علني على مستوى عالٍ من الحوار الإيراني السعودي".

"إطفاء التوترات"

بدوره، قال الإعلامي حسن فحص إن "أهمية زيارة السوداني إلى طهران، تنبع من الدور الوسطي الذي يلعبه العراق بين إيران والمحيط العربي". وأضاف: "إذا نجح السوداني بذلك، فإنه سيتمكن من إعادة تنشيط الحوار الإيراني السعودي، عبر استضافة بغداد للطرفين. ويكون بذلك قد قطع شوطاً إيجابياً كبيراً، باتجاه اعادة الوصل بين طهران والأردن ومصر".

ورأى فحص أن "السوداني حريص على إعادة دور العراق كوسيط فاعل في إطفاء التوترات الإقليمية، لأن ذلك ينعكس إيجاباً على وضعه وعلى دوره. وبالتالي هو يسعى إلى توازن علاقته مع دول الإقليم، ليخرج من دائرة الاتهام بأنه تابع لإيران أو أن إيران هي من أتت به". وزاد: "بذلك، يعزز السوداني طموحه بأن يكون وسطياً ومنفتحاً على العمق العربي، من دون أن ينفي الدور الإيراني أو دور جماعة طهران بإيصاله".

"موقع الحليف الأميركي"

جرت العادة أن يزور رئيس الوزراء العراقي الولايات المتحدة الأميركية بعد تعيينه، فهل لزيارة السوداني إلى طهران قبل واشنطن دلالات سياسية معينة؟ هنا، يقول الكاتب والصحافي حسن فحص: "عموماً يبدو أن المنطقة بأسرها، ليست من أولويات الولايات المتحدة، التي من الواضح أنها تريد استقراراً في العراق، وكان ذلك جدول أعمال لقاء سري حصل بين الأميركيين والإيرانيين في يونيو الماضي في بغداد، اتفقوا خلاله على تليين الوضع في العراق".

ولا يوافق فحص على أن الدور الأميركي في العراق هو دور مقوّض للاستقرار، لافتاً إلى أن "نشاط السفيرة الأميركية في بغداد آلينا رومانسكي ملفت، فهي تكاد تكون أنشط من رئيس الوزراء شخصياً، وتعقد لقاءات مع الجميع، باستثناء الجماعات المحسوبين على الفصائل الإيرانية، وهي اجتمعت بالحكومة كما عقدت لقاءات مع كل وزير على حدة".

ولا يرى فحص أن زيارة السوداني إلى إيران ستؤثر على علاقته بواشنطن "لأن السفيرة الأميركية تلتقيه بشكل شبه أسبوعي، وبالتالي هناك دعم أميركي علني للحكومة العراقية".

أما مايكل نايتس، فيرى أن "الولايات المتحدة تحتاج إلى بذل جهد كبير لمضاهاة النفوذ الإيراني في العراق"، معتبراً أن "ما سيحرك الولايات المتحدة تجاه إيران هو حدوث أعمال عدائية إيرانية اتجاه العراق، هنا يمكن أن تتدخل الولايات المتحدة بحزم لتضع حد مثل هكذا أعمال".

ويخلص نايتس إلى أن "أولويات الولايات المتحدة حالياً تكمن في التركيز على روسيا والصين، وبالتالي يحظى الشرق الأوسط باهتمام أقل من البيت الأبيض، ما يعني أن واشنطن لن تتخذ أي خطوات كبيرة بما في ذلك بذل المزيد من الجهود أو سحب قوات من المنطقة".

(الشرق)