أن تكون عربياً وتشجّع فرنسا ضد المغرب

رياضة

تم النشر في 13 ديسمبر 2022

أحمد عيساوي

بانتظار مباراة الأربعاء بين المغرب وفرنسا، لم تتوقّف الاقلام والصحافة عن تصوير الانجاز المغربي على أنّه نصر "عربي" وفي ذلك كثير من الاستسهال يمكن الردّ عليه بردّ الركراكي الذكي حول "إنجاز مغربي أولاً وأفريقي ثانياً".

صنع المنتخب المغربي لكرة القدم الحدث في مونديال قطر 2022، إذ أصبح أوّل منتخب أفريقي، وعربي تالياً، يصل إلى المربّع الذهبي لأهم بطولة دولية على صعيد المنتخبات الوطنية. وشكّل هذا الانجاز مادة دسمة للبحث عن دوافع وأسباب هذا النجاح التي يمكن شرحها رياضياً وفنّياً وتقنياً بعيداً من الخوض في مكامن الخلل لدى منافسي منتخب “أسود الأطلس”، بدءاً من دور المجموعات وصولاً إلى الإطاحة بالمنتخبين الإسباني والبرتغالي في ثمن وربع نهائي البطولة.

واذا كانت مسيرة المنتخب المغربي تتميّز عن بقية المنتخبات، إذ تكلّلت حتى الان بعدم الهزيمة في أي مباراة خاضها لاعبو المدرب الفذّ الركراكي، فإنّها ستأخذ طابعاً مغايراً في نصف النهائي مع خوض المغرب مباراة صعبة جداً يجتمع فيها الحاضر والماضي وتختلط فيها السياسة والتاريخ الاستعماري والعلاقات الديبلوماسية مع بطل النسخة الماضية والمرشّح الأول للظفر باللقب، المنتخب الفرنسي.

لتلك المباراة وقعٌ خاصّ في فرنسا التي يقطنها حوالى مليون ونصف المليون مغربي إضافة إلى حاملي الجنسيتين الذين يقدّر عددهم بضعفي الرقم السابق، هؤلاء الذين حافظ جزء كبير منهم على رابط الدم والرحم مع بلده الأم ودأب على توطيدها من خلال تمسكّه باللغة المحكيّة (الدارجة) وعاداته وتقاليده، دون أن يحول ذلك من نجاح اندماجه في المجتمعات الفرنسية. ولا شكّ في أنّ التخوّف من تدهور الوضع الأمني في باريس والمدن الفرنسية – يستند إلى تجربة مريرة تتعلّق بضبط الاحتفالات وكبح الانفلات الذي تطوّر في حالات سابقة إلى أعمال شغب امتدّت من الضواحي الى قلب المدينة – أمرٌ مفهوم ويزيد من سخونة اللقاء الرياضي.

في الوقت الذي استمرّت فيه الاحتفالات حتى صباح الأحد في مختلف المدن التي تعيش فيها الجالية المغربية، والتي انضمّت إليها جاليات عربية وأفريقية في التعبير عن فرحة طبيعية بإنجاز تاريخي، والتي رافقتها احتفالات فرنسية بتأهل منتخب الديوك على حساب إنكلترا إلى المربع الذهبي، استعاد البعض أسئلة الهوية والاندماج وفحوى التضامن غير المسبوق مع المغرب، وقيل كلام كثير في التاريخ والجغرافيا والاساطير المؤسسة لفوز كروي ضد منتخب البرتغال، فحضرت معركة “وادي المخازن” و”القصر الكبير” وحضرت أشباح الملك سيباستيان ومحمد المتوكّل وعبد الملك أبو مروان.

ولعلّ أكثر تعليق استوقفني في هذا المجال تعليق جاري البرتغالي الثمانيني في ريف فرنسا حيث أعمل، عن “المهدي المنتظر الذي لم يعد بعد موته في المعركة”، من باب الغمز الى الملك سيباستيان الذي يقدّسه البرتغاليون ويقدّسون جنونه وتهوّره، وإسقاط الحالة على كريستيانو رونالدو الذي يعيش أياماً عصيبة انتهت بخروجه بالدموع مع منتخب بلاده أمام “أسود الاطلس” في مشهدية تشبه الانتصار الساحق للدولة السعديّة في معركة الملوك الثلاثة في منتصف القرن السادس عشر إبان هجوم البرتغاليين على الساحل المغربي لضمّ مراكش واغادير للامبراطورية البرتغالية.

بانتظار مباراة الأربعاء بين المغرب وفرنسا، لم تتوقّف الاقلام والصحافة عن تصوير الانجاز المغربي على أنّه نصر “عربي” وفي ذلك كثير من الاستسهال يمكن الردّ عليه بردّ الركراكي الذكي حول “إنجاز مغربي أولاً وأفريقي ثانياً”. في جوابه، سحب المدير الفني للمنتخب المغربي البساط من تحت الماكينة الدعائية التي تريد تجيير الفوز لمصلحة حسابات هوياتية ضيّقة، تربط المغرب وشعبه بهوية عربية. أراد الركراكي التشديد على خاصيّة المغرب بعدم حصره بالعرب ومنح الامازيغ رصيداً من الفوز، وأراد قبل كل شيء تأكيد العمق الأفريقي للبلد الذي يمثّل اتحاد الكرة الافريقية، فكان جوابه الأكثر صدقاً وتصالحاً مع تاريخ المغربي وماضيه وحاضره: بلد بحضارة أمازيغية وتنوّع لغوي عربيّ وزناتيّ ريفيّ، على احتكاك مباشر ولصيق بأوروبا، روافده أندلسية ومتوسطية وعبرية وباشتباكات متماسكة ورخوة في آن تحكمها تناقضات الريف والمخزن.

من الصعب جداً التشكيك بـ”صدق” عاطفة العرب وتضامنهم مع المغرب. ذلك نابع من إحساس طبيعي في انتصار للغتهم، لأسماء “أشرف” و”ياسين” و”سفيان” التي يصدح بها المعلّقون الغربيون، وانتصارٌ في مكان ما لفريق ديانة لاعبيه الاساسية الاسلام، تدغدغ مشاعر أمّة المليار، ولأسباب مرتبطة بطرح القضية الفلسطينية المنسيّة على الخارطة في محفل دوليّ عبر رفع لاعبي المنتخب وجماهيرهم العلم الفلسطيني في مناسبات عدة. تلك العاطفة ليست مستجدّة وحضرت مع المنتخبات المصرية والسعودية والجزائرية والتونسية واتخذت طابعاً عالم ثالثياً في دعم منتخبات افريقيا السوداء في التسعين والسينغال في 2002 وغانا في 2010. عاطفة البساطة والفقر والانتقام في السياسة والاقتصاد والاجتماع من ظروف حياتية ومعاش صعب.

(موقع درج)