إلى "الحوار" بعد فشل "التوافق" و"التسوية"

سياسة

تم النشر في 15 ديسمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

الطائفية لم تكن يوماً غائبة عن أي مشهد أو مغيّبة في الاذهان، وعندما أحالتها "انتفاضة 17 تشرين" الى درجة ثانوية راحت أحزاب السلطة ولا سيما "الثنائي الشيعي" تخترقها بعنف لتسيء الى صورتها ومغزاها، فلا شيء كالطائفية يحافظ على المواقع والمكاسب حاضراً ومستقبلاً. وقد حضرت أو استُحضرت حين خشي "حزب إيران/ حزب الله" على نفوذه من تعاظم ثورة الشعب، وحين شعر حليفه "التيار العوني" بأن عقد اجتماع لمجلس الوزراء يهزّ مكانته مسيحياً، وكذلك في أحيان كثيرة يشعر فيها "الحزب" إياه بضرورة القيام بـ "غزوة" هنا أو "اختراق" هناك ولو تحت ستار الاحتفال بفوز فريق المغرب في مباراة مونديالية. وتخوض الطائفية راهناً مونديالها المحلي للحصول على كأس الرئاسة اللبنانية، وهو يدور حول مَن مِن المرشّحين الموارنة حصرياً، العلنيين والمكتومين، سيقصي الآخر في لعبة "انتخابية/ لا انتخابية" غير خاضعة لقاعدة دستورية، بل لمواصفات تفرضها أسلحة إيران و"حزبها".

مجلس النواب مشتّت ومشرذم. كتلة "اللاطائفيين" المفترضين الممثّلة بـ "التغييريين" هي الأصغر والأقل تأثيراً في الاستحقاق، أي أن "رئيساً لكل لبنان ولجميع اللبنانيين" سيبقى حلماً مؤجّلاً إن لم يكن مستحيلاً. كتلة "الاستقلاليين" و"السياديين" لها وزن مسيحي وليست لديها قدرة على إيصال مرشّحها. لا كتلة للسنّة وستشارك شراذمهم شكلياً في ملء "شغور رئاسي" لم يتسببوا به، لكن الرئيس المقبل سيكون الأول منذ الاستقلال الذي لن يكون لهم دور مسبق في اختياره. أما كتل الغالبية السابقة بقطبَيها الماروني والشيعي فليس فقط أنها لم تعد غالبية، بل انها تعاني من صراع حاد بين موارنتها، وبَين مرشّحَين يتفانيان في استرضاء إيران و"حزبها" المنبوذَين دولياً، وفيما يفاخر أولهما بعلاقة أبدية سرمدية مع الأسد ونظامه المنبوذين دولياً، يتميّز الآخر بأنه تحت عقوبات أميركية مستندة الى ضلوعه في الفساد ولا فكاك له منها إلا بأن يُنتخب رئيساً، وهو ما لن يحصل.

الدرس الأول والأبرز في المأزق الرئاسي أن "حزب إيران" لا يستطيع حسمه باختراقاته الداخلية ولا بسطوته المسلّحة. جرّب أولاً خدعة "التوافق" لترجيح مرشّحه، ثم جرّب فكرة "التسوية" مع قوى خارجية ولم تكن المحصّلة الأولية مُرضية لأن إيران نفسها غير قادرة حالياً على مساعدته فعلاقتها مع السعودية لم تتطبّع كما أن تعثّر الاتفاق النووي والاحتجاجات الشعبية وبيع المسيّرات الى روسيا باعدت بينها وبين أطراف أوروبية كانت تهادنها، لكن "الحزب" لا يزال يراهن على أن القوى الخارجية سترى في شروطه خياراً أقل سوءاً من مفاقمته المبرمجة لمعاناة الشعب اللبناني. في الانتظار لا بأس في دفع وصيفه، "حركة أمل"، الى تجريب "الحوار" بين الأطراف الداخلية ليصبح المطلوب الآن مرشحاً رئاسياً يشعر كل طرف بأن لديه حصّةً فيه، بالأخص حليفه "العوني". أي أن البحث جارٍ عن معادلة كيمياء سياسية إيرانية في جوهرها، لكن ينبغي أن تتنكّر بلون مسيحي... كل ذلك يبقى بعيداً عن أبسط المطالب الخارجية لمساعدة لبنان: إصلاحات التعافي الاقتصادي بدءاً بنزع التسلّط "العوني – الباسيلي" على الكهرباء، وصولاً الى الإجراءات التي تنزع التسلّط الإيراني الذي جعل لبنان "منطلقاً لأعمال إرهابية وحاضناً لتنظيمات وجماعات إرهابية تزعزع أمن المنطقة واستقرارها، ومصدراً أو معبراً لتهريب المخدرات"... أيُّ مرشّح يقبل بإبقاء هذين التسلّطين ليكون "رئيساً"؟

(عن صفحته - فايسبوك)