هل تقيّد "حادثة اليونيفيل" حرية تحرّك القوات الدولية في جنوب لبنان؟

سياسة

تم النشر في 17 ديسمبر 2022

بيروت - تيما رضا

تحوّل مقر قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان محجّة لممثلين عن الأحزاب اللبنانية والسياسيين، تقدمهم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وقائد الجيش جوزاف عون، الذين زاروا قائد قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، للإعراب عن استنكارهم للحادثة التي تعرض لها أحد مواكب القوة الدولية في بلدة العاقبية الجنوبية أخيراً، وتقديم التعازي بالجندي الإيرلندي الذي سقط نتيجة الاعتداء الذي تعرض لها الموكب، والذي تسبب أيضاً بجرح ثلاثة جنود آخرين.

الاعتداء على موكب "اليونيفيل"، على الرغم من استبعاد قيادتها وقيادة الجيش اللبناني وأيضاً "حزب الله" أن يكون مدبراً، فتح الباب على وابل من التساؤلات حول العلاقة التي ستطبع قوات الطوارئ الدولية بالقرى اللبنانية، وحرية تنقل قوات اليونيفيل فيها، خصوصاً وأن ما جرى أخيراً، يأتي بعد نحو ثلاثة أشهر من قرار الأمم المتحدة الذي أكد التشدد في تنفيذ القرار1701 وحرية تنقل دوريات اليونيفيل في الجنوب من دون مؤازرة الجيش اللبناني، من خلال القرار 2650 الذي ينص على إمكانية التحرك والتدخل من دون إذن من الجيش اللبناني، ما أثار في حينه حفيظة "حزب الله" الذي أعرب عن رفضه التام "أي توسيع في مهام قوات حفظ السلام الدولية".


جريمة مستنكرة.. غير مدبرة!

الناطق الرسمي باسم اليونيفيل آندريا تينينتي وصف الاعتداء بـ"الجريمة المستنكرة"، وقال لـ"الشرق": "نحن مصدومون من الحادثة، خصوصا وأنها أتت في ظل هدوء يخيم على جنوب لبنان". وزاد: "هي جريمة لأنها أودت بحياة شاب من قوات حفظ السلام".

وعمّا إذا كان يعتبر أن الاعتداء مدبر، قال تينينتي لـ"الشرق" إن "الحادثة وقعت خارج نطاق تحركنا وهي حادثة مأساوية، لأن هناك جندياً تم قتله". وأضاف: "لنكن دقيقين في توصيف ما حصل، الموكب كان يتألف من سيارتين، إحداهما أخذت طريقاً مختلفاً بالصدفة، لذلك لا أعتقد أن هناك عملية مدبرة". ويوضح تينينتي أن"ما حصل يختلف عن أي اعتداء آخر".

المسارعة إلى النفي

الاعتداء على سيارة اليونيفيل، سرعان ما حوّل الأنظار إلى "حزب الله" كـ"محرض أو منفذ للعملية"، وهو ما سارع الحزب إلى نفيه ومحاولة احتوائه، إذ قدّم مسؤول ما يسمى "وحدة الارتباط والتنسيق" في "حزب الله" (جهاز أمني مرتبط بالحزب) وفيق صفا تعازي الحزب للقوات الدوليّة، مؤكّداً أن "لا علاقة لحزب الله بالموضوع لا من قريب أو من بعيد".

وأشار صفا في حديث لرويترز، إلى أن "الحادث الذي أدى إلى مقتل جندي أيرلندي في مهمة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان كان غير مقصود". ولفت، الى أن "حزب الله قدم تعازيه بعد الحادث، وحضّ على عدم إقحامه فيه".

الموقف الذي أعلنه صفا، التزم به مسؤولو "حزب الله"، الذين رفضوا التعليق على الموضوع، مكتفين بما صدر عن مسؤول "وحدة الارتباط والتنسيق".

بين التهدئة والتصعيد

هكذا، اتجهت الأمور نحو التهدئة إذ اكتفى الجميع بتقديم التعازي والاستنكار الصادر في الساعات الأولى على الاعتداء.

وبدورها، رفضت وزارة الخارجية اللبنانية التعليق على الحادثة، معتبرة أن التعليق يقع على عاتق وزير الدفاع، الذي تعذر تواصل "الشرق" معه لـ"انشغاله بمؤتمر".

إلا أن التهدئة الرسمية التي طبعت الأخبار والتصريحات، لم تنعكس على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسم التعليقات بين "ساخر" من تبرؤ "حزب الله" من غضب الأهالي، وبين مدافع عن الحزب و"كرامة الجنوب التأكيد على عدم المس بها من قبل أي كان حتى قوات اليونيفيل". وذهب البعض الآخر إلى ربط الحادثة بالواقع الأمني المتفلت في لبنان وانتشار السلاح بين المدنيين، بالإضافة إلى نماذج الأمن الذاتي التي باتت تتمدد في المناطق.


رسالة… إلى العالم!

اختلف التوصيف بشأن الطريق التي جنحت إليها سيارة اليونيفيل "المغدورة". ففيما وصفها حزب الله ومناصروه بأنها "طريق فرعية" في قرية العاقبية، فإن الوصف الأقرب إلى الواقع هو أن الحادثة وقعت على الطريق الدولي القديم الذي يمر في القرية الساحلية والذي يصل جنوب لبنان بشماله مروراً بالعاصمة بيروت.

الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، قال لـ"الشرق" إن "طريق العاقبية عبارة عن خط دولي وليس فرعياً كما قالوا، أي أنها طريق عام وهناك حصلت الحادثة". من دون أن يستبعد أن تكون الأمور "خرجت عن السيطرة في الاعتداء ما أدى إلى النتائج المأساوية".

ورأى الأمين أن الاعتداء "ليس لعبة داخلية فالذي قُتل ليس لبنانياً". وأشار إلى أنه "في ظل عدم مبالاة خارجية حقيقة تجاه الوضع بلبنان، يعيش حزب الله حالة استنزاف، وهو لم يخرج عن المعادلات المرسومة له من 2006 كضابط للحدود، ولم يفتعل مشاكل مع إسرائيل، وحتى في البعد الإقليمي لم يتجاوز الحدود، بمعنى حين ذهب إلى سوريا، لم يكن يمس خطوط حمراء أميركية وحتى إقليمية، ففي البعد العميق هو ضابط إيقاع ضمن شروط اللعبة الدولية الإقليمية. وبالتالي لن تتم معاقبته".

وخلص الأمين إلى القول: "أنا لا أرى هذه الضربة هي لليونيفيل، بل لمن وراء اليونيفيل ولحسابات أخرى لا علاقة لها باليونفيل بل لها علاقة بأمور أخرى. وكأن حزب الله يقول تعالوا وتكلموا معنا، أنتم تتخطون اتفاقات ضمنية بيننا وبينكم، تخرجون وتتركوننا نُستنفزف، الوضع يذهب إلى إحتمالات سيئة، ونحن قدمنا هدية الترسيم ولم نقبض ثمنها".

وأوضح علي الأمين أن "قوات اليونيفيل لا تشكل مصدر خطر حقيقي على حزب الله". وأضاف: "لذلك، أنا أراها رسالة موجهة إلى الدول الراعية لليونفيل لكي يعيدوا حزب الله إلى معادلة التفاهمات والاتفاقات، خصوصاً مع الاستحقاق الرئاسي".

النائب السابق فارس سعيد رأى أن "ما جرى عبارة عن رسالة من حزب الله إلى الخارج". وقال لـ"الشرق": "حصلت هذه العملية بمنطقة نفوذ لحزب الله ويسيطر عليها بشكل كامل".

وأضاف: "إما أن الحزب هو الذي قام بهذه العملية، أو عليه أن يقول لنا من قام بها؟". وذكّر بأن "إيران تمتلك جيوباً في اليمن والعراق وسوريا ولبنان والضفة، وهي التي تسيطر على هذه البلدان، وتتحكم باستقرارها، وها هي تبدأ بتحريك عملية عدم الاستقرار في لبنان، من أجل استدعاء انتباه الولايات المتحدة حتى تأتي الأخيرة وتتكلم مع إيران بشأن ترتيب شؤون المنطقة".

ورأى فارس سعيد أنه "حتى هذه اللحظة ليس هناك التفاتة أميركية لصالح إيران، التي فقدت أيضاً التفاتة أوروبا إليها بعد الثورة الإيرانية وفي مقدمتها فرنسا التي كانت صاحبة القول بأن يجب على الجميع ان يتعاطى مع إيران كقوة إقليمية".

واعتبر سعيد أن "الإيراني غير قادر على استيعاب ما يجري داخل بلاده، ومن هنا يبدو وكأنه بات مضطراً لأن يلعب أوراق عدم الاستقرار في المنطقة".

وختم سعيد بالإشارة إلى أن "ما حصل في جنوب لبنان، هو بمثابة ورقة من الأوراق التي قد يستخدمها حزب الله ومن خلفه إيران لاستدعاء انتباه الولايات المتحدة".

بانتظار التحقيق!

بدوره، قال مصدر ديبلوماسي في بيروت لـ"الشرق" أن الاعتداء المذكور بمثابة رسالة "ترسيم حدود" لخط قوات الطوارئ الدولية. ورأى أنه "قد تكون مجموعة من الأخطاء أدت إلى هذه الحادثة المؤسفة"، إلا أنه أشار أيضاً إلى أن كونها غير مدبرة، في حال كان صحيحاً، لا يقلّل من خطورتها".

وأضاف المصدر: "هناك أحداث كثيرة تحصل في لبنان في هذه الأيام، حيث بات يتم إطلاق النار سريعاً في أي إشكال فردي، ولذلك يصعب الجزم بأن الحادثة مدبرة".

وقال: "نميل إلى الاعتقاد بأن ما حصل كان عبارةعن رد فعل طالما أن الجميع يحمل السلاح هذه الأيام ومستعد للقتل لأسباب تافهة، ولكننا ننتظر نتائج التحقيق قبل القيام باستنتاجات رسمية".

من جهته، رأى فارس سعيد أن "ما جرى كارثة سياسية ووطنية"، مشدداً على ضرورة أن "تتحمل الحكومة اللبنانية مسؤوليتها وأن تجتمع فوراً بكل أركانها وبكل أعضائها، ومن ضمنهم وزراء التيار الوطني الحر أي حلفاء حزب الله، لتأمين الغطاء الكافي للجيش اللبناني حتى يستطيع القيام بالتحقيق ومعرفة ما جرى وإنزال أشد العقوبات بالفاعلين".

ودعا سعيد إلى "تأمين الغطاء للجيش اللبناني ليستطيع القيام بواجباته والتحقيق لمعرفة ما جرى"، موضحاً أنه "لا يمكن اعتبار ما حصل حادثاً عادياً".

وأضاف سعيد: "رغم صدور القرار 2650، فإننا لم نسمع عن أي عملية قامت بها القوات الدولية بمعزل عن الجيش اللبناني، علماً أن تنفيذ القرار 1701 هو من مسؤولية الجيش اللبناني. وبالتالي، فإن المطلوب من قيادة الجيش ومديرية التوجيه ومديرية المخابرات، أن يقدموا الرواية الصافية أمام الرأي العام اللبناني والرأي العام الخارجي".

بدوره، اعتبر المحلل السياسي علي الأمين أن التحقيق في الحادثة مرهون بكيفية تعامل الأمم المتحدة وإيرلندا معها". وقال: "هذا جندي إيرلندي قتل، وبالتالي يفترض أن يحصل تحقيق دولي وإذا كانت الأمم المتحدة لن تحقق، على من يمكننا الرهان حينها؟".

وأضاف الأمين: "هكذا جريمة لا يجب أن تمر بلا حساب، ويفترض أن تصل التحقيقات فيها إلى خواتيمها المرجوة من دون أن يتمكن أحد من التلاعب بها هذه المرة، كونها تتم بإشراف الأمم المتحدة".

من جهته، أكد اندريا تينينتي أن "الجميع يحقق، من اليونيفيل إلى إيرلندا، ولا يمكن أن نقلّل من وقع ما حصل، والحكومة اللبنانية والمسؤولين أبدوا تعاطفاً وقدموا تعازيهم، ولا يمكننا التكهن وننتظر نتيجة التحقيقات بالجريمة الخطيرة التي تعرضنا لها". وشدد على أن "الأمم المتحدة والجيش اللبناني والحكومة اللبنانيون يرحبون بدورنا في الجنوب".


اليونيفيل طرف منضبط

قواعد الاشتباك المعمول بها منذ عام 2006 أي بعد انتهاء حرب يوليو، قضت بأن يرافق الجيش اللبناني دوريات "يونيفيل" في نطاق عملياتها في الجنوب.

واعترض مدنيون في وقت سابق بعض الدوريات ضمن نطاق عملها، بحجة أن عناصرها يصوّرون بعض المواقع، أو أن الآليات تعبر طرقات غير مصرّح لها بدخولها.

إلاّ أن غالبية الدوريات اليومية لليونيفيل والأنشطة الميدانية التي تزيد عن 400 دورية، تتم بشكل مستقل، رغم التنسيق بشكل وثيق مع القوات المسلحة اللبنانية. الغالبية العظمى من الدوريات والأنشطة في المناطق لا تواجه أي مشكلات، خصوصاً وأن عديد الجيش اللبناني لا يسمح له بمواكبة أكثر من 20 في المئة من هذه الدوريات.

ورغم تأكيد الناطق باسم قوات اليونيفيل اندريا تينينتي بأن "قوات الطوارئ الدولية ملتزمة عملها ومسؤولياتها في لبنان"، أكد الصحافي علي الأمين "ضرورة التحقيق الشفاف وتسليم المرتكبين للعدالة لأن مثل هذه الحادثة حتماً ستأخذ حيزاً كبيراً من النقاش عند العمل على التجديد لقوات حفظ السلام في الجنوب اللبناني".

وقال النائب السابق فارس سعيد: "هذه مناسبة كبيرة أمام قيادة الجيش لتقدم أداء شفافاً وأن تقول ماذا حصل؟". واعتبر سعيد أنه "لا يجب وضع قائد الجيش جوزيف عون في الميزان، بل الحكومة اللبنانية لأن عون من دون غطاء الحكومة، غير قادر على القيام بتحقيق".

وشدد النائب السابق على أن "ما حصل ليس عملية تفصيلية، بل هو اعتداء على القوات الدولية يضع لبنان في دائرة القلق لدى المجتمع الدولي ولدى دوائر القرار الخارجي".

وختم سعيد بالإشارة إلى أن "كلفة تنفيذ القرار 1701 هي 800 مليون دولار سنوياً"، متسائلاً: "ماذا لو قرر المجتمع الدولي بعد أزمة كورونا وفي ظل أزمة أوكرانيا وأزمة الغاز في أوروبا أن ينسحب من القرار 1701 ماذا يجري في جنوب لبنان؟". وحذّر من أنه "في هذه الحالة، يدخل جنوب لبنان إلى فوضى ويستلم حزب الله الأمن هناك بشكل علني".

(الشرق)