تحديات 2023 الاقتصادية.. لعنة التضخم و"الأسوأ لم يأت بعد"

إقتصاد

تم النشر في 30 ديسمبر 2022

يعاني عينها في شتى أنحاء العالم من مستويات التضخم التي لم تُسجل منذ عقود مع ارتفاع أسعار سلع وخدمات ضرورية مثل الطعام، والتدفئة، والنقل، والإقامة. ورغم أن ذروة التضخم ربما تلوح في الأفق، فإن آثاره قد تزداد سوءا، وفق رويترز.

جائحة وحرب

انتهت فترة طويلة ومريحة من التضخم المحدود وأسعار الفائدة المنخفضة فجأة بعد أن عصفت جائحة فيروس كورونا بالعالم، إذ استمرت الحكومات والبنوك المركزية في دعم الشركات التي أغلقت أبوابها والأسر بتريليونات الدولارات.

ومنع "شريان الحياة" هذا العمال من الانضمام إلى طوابير الإعانات والشركات من الانهيار وأسعار المنازل من التراجع الشديد. لكنه أدى أيضا إلى توقف العرض والطلب على نحو لم يسبق له مثيل.

وبحلول عام 2021، مع انتهاء عمليات الإغلاق ونمو الاقتصاد العالمي بأسرع وتيرة بعد ركود منذ 80 عاما، ألقت أموال حزم التحفيز الضخمة هذه بظلالها على نظام التجارة العالمي.

فلم تستطع المصانع التي كانت متوقفة أن تعمل بالسرعة الكافية لتلبية الطلب، وتسببت القواعد الآمنة لكورونا في نقص العمالة في قطاعات البيع بالتجزئة والنقل والرعاية الصحية، وأطلقت طفرة الانتعاش شراة ارتفاع أسعار الطاقة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد غزت روسيا أوكرانيا في فبراير وأدت العقوبات الغربية على أكبر مصدر للنفط والغاز إلى ارتفاع أسعار الوقود، حسب رويترز.

لماذا الاهتمام بالتضخم؟

يُعرف التضخم بأنه "ضريبة على الفقراء" لأنه يؤثر على ذوي الدخل المنخفض، وقد أدى تضخم في خانة العشرات إلى زيادة التفاوت وعدم المساواة في أنحاء العالم.

ففي حين يمكن للمستهلكين الأكثر ثراء الاعتماد على المدخرات التي تراكمت خلال عمليات الإغلاق إبان الجائحة، يجد آخرون صعوبة في تغطية نفقاتهم ويعتمد عدد متزايد على بنوك الطعام.

ومع حلول الشتاء في نصف الكرة الشمالي، يزداد الضغط على تكاليف المعيشة مع ارتفاع فواتير الوقود. ونظم العمال إضرابات في قطاعات من الرعاية الصحية إلى الطيران للمطالبة بأن تواكب الأجور التضخم. وفي معظم الحالات، اضطروا للقبول بأقل مما يطلبون.

وتهيمن مخاوف تكاليف المعيشة على سياسات الدول الغنية، وفي بعض الحالات يُغض الطرف عن أولويات أخرى مثل إجراءات مكافحة تغير المناخ.

وفي حين أن الانخفاض الذي تشهده أسعار البنزين في الآونة الأخيرة قد خفف بعض الضغط، فإن التضخم لا يزال محور تركيز إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن. ويوسع نظيراه الفرنسي إيمانويل ماكرون والألماني أولاف شولتس ميزانيتهما لتوجيه مليارات اليورو إلى برامج الدعم.

ولكن إذا كانت الأمور صعبة في الاقتصادات الصناعية، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يزيد من حدة الفقر والمعاناة في البلدان الفقيرة، من هايتي إلى السودان ولبنان إلى سريلانكا.

ويقدر برنامج الأغذية العالمي أن 70 مليونا آخرين في جميع أنحاء العالم باتوا على شفا المجاعة منذ بداية حرب أوكرانيا في ما يسميه "تسونامي الجوع"، حسب رويترز.

ماذا يعني ذلك لعام 2023؟

شرعت البنوك المركزية في أنحاء العالم في رفع أسعار الفائدة رفعا حادا لتهدئة الطلب وترويض التضخم. وبحلول نهاية 2023، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض التضخم العالمي إلى 4,7 في المئة، في ما يقل قليلا عن نصف مستواه الحالي.

والهدف من ذلك هو "هبوط ناعم" في دورة الأعمال تتراجع فيه الأسعار من دون انهيار سوق الإسكان أو إفلاس شركات أو ارتفاع معدلات البطالة. لكن مثل هذا السيناريو الأفضل أثبت أنه بعيد المنال في المواجهات السابقة مع ارتفاع معدلات التضخم.

ومن رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) جيروم باول إلى كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، هناك حديث متزايد عن أن دواء رفع أسعار الفائدة قد يكون مر المذاق.

وعلاوة على ذلك، فإن المخاطر المحيطة بأمور يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، مثل حرب أوكرانيا والتوتر بين الصين والغرب، تميل لأن تجعل الأوضاع تسير في الاتجاه النزولي.

وللتدليل على ذلك، كانت التوقعات الدورية لصندوق النقد الدولي في أكتوبر من أكثرها قتامة منذ سنوات.

وقال الصندوق فيها "باختصار، الأسوأ لم يأت بعد. وفي 2023 سيشعر كثيرون بالركود"، حسب رويترز.

قلق خبراء الاقتصاد

كان التضخم الاقتصادي خلال العام 2022 الشغل الشاغل لصانعي السياسات، فانهمك القادة في لقاءاتهم، لاسيما مجموعة العشرين، بالبحث عن حلول للأزمة العالمية التي تتزامن مع تباطؤ اقتصادي. فجاء تقرير أكتوبر لصندوق النقد الدولي بعنوان، "مجابهة أزمة المعيشة" في دلالة على الجهود العالمية بوجه موجة التضخم الحادة.

وتشير التنبؤات إلى تباطؤ النمو العالمي من 6,0 في المئة خلال عام 2021 إلى 3,2 في المئة في عام 2022 ثم 2,7 في المئة في عام 2023، في ما يمثل أضعف أنماط النمو على الإطلاق منذ عام 2001 باستثناء فترة الأزمة المالية العالمية والمرحلة الحرجة من جائحة كورونا، حسب تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن صندوق النقد الدولي خلال أكتوبر 2022.

وحسب التنبؤات عينها، سيرتفع التضخم العالمي من 4,7 في المئة في 2021 إلى 8,8 في المئة في 2022 ليتراجع لاحقا إلى 6,5 في المئة في 2023 و4,1 في المئة في 2024.

وأشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي يشهد الآن أشد معدلات التباطؤ في أعقاب تعاف ما بعد الركود منذ عام 1970. وتمر أكبر 3 اقتصادات في العالم، وهي الولايات المتحدة الأميركية والصين ومنطقة اليورو، بتباطؤ حاد للنمو. وفي ظل هذه الظروف، فإن مجرد وقوع صدمة خفيفة للاقتصاد العالمي خلال العام المقبل قد تهوي به إلى الركود.

ولفتت الخبيرة في الاقتصاد النقدي، ليال منصور، في حديث سابق لموقع "الحرة" إلى أن "التضخم الاقتصادي العالمي لديه تأثير سلبي على الفئات المجتمعية كافة، ودفع المستهلك نحو استبدال الكماليات بالأساسيات، بعد أن أدى إلى انخفاض القوة الشرائية".

وأوضحت منصور أن كل المؤشرات الاقتصادية والمالية مبنية حاليا على استمرار التضخم".

من جهته، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع، في حديث سابق لموقع "الحرة" إن "التضخم سيبقى يقلق العالم بأسره خلال العام المقبل، نظرا لاستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وعدم ظهور أفق لنهايتها، وما يستتبع ذلك من تداعيات متصلة باضطراب سلاسل الإمداد والتأثير على إمدادات الغاز لأوروبا، وتأثيرها على أسعار النفط، ومشتقاتها، وكل ذلك سيشكل صدمات متباينة على المستوى العالمي".

أسواق اليوم

وعلى صعيد البورصات والأسواق اليوم، فإن النفط بصدد أن يختتم 2022 على ارتفاع بعد عام مضطرب شابه شح الإمدادات.

وارتفعت أسعار النفط اليوم الجمعة وهي في طريقها لتحقيق مكاسب للعام الثاني على التوالي، وإن كانت ضئيلة، في عام اتسم بشح الإمدادات بسبب الصراع في أوكرانيا وقوة الدولار وضعف الطلب من الصين، أكبر مستورد للخام في العالم، حسب رويترز.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 44 سنتا أو 0,5 في المئة إلى 83,9 دولارا للبرميل بحلول الساعة 01:38 بتوقيت غرينتش بعد أن تراجعت 1,2 في المئة عند التسوية في الجلسة السابقة.

وبلغ خام غرب الولايات المتحدة الوسيط 78,88 دولارا للبرميل، مرتفعا 48 سنتا أو 0,6 في المئة بعد أن أغلق منخفضا 0,7 في المئة الخميس.

ومن المنتظر أن يختتم خام برنت عام 2022 بمكاسب 5,76 في المئة بعد ارتفاعه 50,2 في المئة في 2021.

وارتفعت الأسعار في آذار إلى ذروة 139,13 دولارا للبرميل، وهو مستوى لم يتحقق منذ عام 2008، بعد أن غزت روسيا أوكرانيا وأثارت مخاوف بشأن الإمدادات وأمن الطاقة.

وخام غرب تكساس الوسيط في طريقه للارتفاع 4,5 في المئة في 2022 بعد مكاسب 55 في المئة في 2021.

وتراجعت أسعار النفط سريعا في النصف الثاني من هذا العام مع رفع البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم أسعار الفائدة لمحاربة التضخم وارتفاع الدولار.

وقد جعل ذلك السلع الأولية المقومة بالدولار استثمارا أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى.

كما أدت قيود الصين للحد من فيروس كورونا، والتي لم تُخفف سوى في ديسمبر كانون الأول، إلى القضاء على آمال تعافي الطلب على النفط لدى ثاني أكبر مستهلك للخام في العالم.

ويُذكر أن أسعار الذهب ارتفعت، الجمعة، لكنها تتجه لخسارة سنوية ثانية على التوالي، إذ أضعف رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة بشدة جاذبية السبائك التي لا تدر عوائد، حسب رويترز.

وارتفع الذهب في السوق الفورية 0,2 في المئة إلى 1818,64 دولارا للأوقية (الأونصة) عند الساعة 03:09 بتوقيت غرينتش. وهبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0,1 في المئة إلى 1824,6 دولارا.

ويتجه الذهب نحو انخفاض سنوي 0,6 في المئة بعد أن بات الدولار ملاذا آمنا ومفضلا وسط الزيادات الضخمة في أسعار الفائدة.

وحقق مؤشر الدولار أفضل أداء سنوي له منذ عام 2015، مما جعل الذهب باهظ الثمن لحاملي العملات الأجنبية.

ومع ذلك، ارتفعت أسعار الذهب بنحو 200 دولار من أدنى مستوى في أكثر من عامين سجلته في سبتمبر، وهي في طريقها لتحقيق أفضل أداء فصلي لها منذ يونيو 2020، على أمل أن يبطئ البنك المركزي الأميركي وتيرة زياداته لأسعار الفائدة، وفق رويترز.

المصدر: الحرة