يهينون القضاء ويتباكون على "سيادته"

سياسة

تم النشر في 12 يناير 2023

عبدالوهاب بدرخان

يقال الكثير هذه الأيام عن المحققين الأوروبيين المنتدبين الى بيروت لاستكمال التحقيق في ملفات فساد مرتبطة بحاكم المصرف المركزي، بموجب معاهدة تعاون قضائي أُقرّت في الأمم المتحدة وانضم لبنان إليها في 2008 عندما كان "دولة" ويعتقد أن ليس لديه ما يخفيه أو يخشاه أو أن ليس هناك ما يستدعي تدخّلاً قضائياً خارجياً خصوصاً في قضايا مالية. في تلك الفترة كان الخلاف الداخلي ناشباً في الكواليس حول المحكمة الدولية الخاصة بالاغتيالات السياسية، قبل أن يخرج الى العلن ويصبح عنواناً لانقسام سياسي عميق وأداة لإسقاط الحكومة، وذلك بعد انكشاف ضلوع "حزب إيران/ حزب الله" في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري. كانت الذريعة آنذاك أن التحقيق "مسيّس"، كذلك الاتهامات، لكن "الحزب" وحلفاءه الرافضين المحكمة الدولية لم يكونوا قادرين على اثبات أن القضاء اللبناني قادر على القيام بواجبه إزاء مسلسل الاغتيالات الذي لا يزال مفتوحاً ولا إشارة الى أن الجهة التي نفّذته تابت أو حرّمت على نفسها سفك دماء خصومها.

الأمر مختلف مع ملفات الجرائم المالية التي ينظر فيها القضاء في عدد من الدول الأوروبية، أو تلك التي انطوت على اتهامات بالفساد استندت اليها الدوائر الأميركية لفرض عقوبات على مجموعة من السياسيين اللبنانيين. لعل السبب الرئيسي أن الأموال المنهوبة والمهرّبة والمختلسة والمبيّضة ذهب معظمها الى مصارف غربية وبعضٌ منها الى مصارف عربية، ما يبرّر التحقيق في مصادرها ومشروعيتها، من دون أن يعني ذلك أن القضاء الأوروبي معنيٌّ بمأساة المودعين اللبنانيين أو بمحاسبة النظام المالي والمصرفي على أخطائه وعدم نزاهته. والأكيد أن القضية المتعلقة بحاكم المصرف وأفراد عائلته ليست سوى عيّنة ولا تغطي مجمل عمليات السرقة للأموال العامة والخاصة التي ارتكبتها مافيات محلية لا تزال ناشطة. لكن مجرد الذهاب في ملف واحد الى الحدّ الأقصى الممكن قد يفتح ملفات أخرى، ذاك أن ضخامة الأزمة وأهوالها وحجم التواطؤات السياسية فيها لم تدفع المنظومة الحاكمة الى تفعيل القضاء ضد مكوّناتها، بسبب التداخل بين الجسمين السياسي (- الطائفي) والقضائي، وانكشاف أن وجود عدد محدد من القضاة الأكفياء والنزهاء لا يعني أن هناك "سلطة قضائية مستقلّة" كما يفترضها الدستور.

بعضٌ مما أثير في مواكبة حضور المحققين الأوروبيين أنه يمسّ بـ "السيادة القضائية"، وأن عملهم قد يتوسّع الى التحقيق في قضية انفجار المرفأ. غير أن "السيادة"، كما مورست في ملفات الفساد المالي، خضعت لتصفية حسابات سياسية تولّتها قاضية موتورة أو أدّت الى تجميد ملفات تمكّن القضاة من احراز تقدّم فيها. أما في ملف المرفأ فتمثّلت "السيادة" بأكبر عملية تواطؤ بين الأطراف السياسية، وذهب فيها "حزب إيران" بعيداً في تهديداته الأمنية الى أن حصل على وقف كامل للتحقيق. هذان النموذجان "السياديان" المحلّيان ألحقا اهانات وأضراراً بسمعة القضاء اللبناني أسوأ بكثير من الاساءات التي ينسبها "الحزب" الى التحقيق الأوروبي. لا شك أن هناك بعداً سياسياً خارجياً في هذا التحقيق، إذ أن لبنان يتوسّل للحصول على مساعدات لكن مستوى النهب والفساد يمنع أي دولة من صرف أي أموال قبل التأكد من حصول إصلاحات. يبقى أن الطرافة السوداء جعلت ميشال عون يغرّد بأن "سقوط القضاء اللبناني فتح الطريق لتدخّل القضاء الأجنبي، فهل يستطيع من تبقّى من شرفاء القضاة استعادة الثقة المفقودة واسترجاع هيبة قضائنا"؟ يتناسى الرئيس السابق كل ما ارتكبه ضد القضاء و"هيبته".

(عن صفحته - فايسبوك)