لبنان في تخبّطاته كرهينة إيرانية

سياسة

تم النشر في 23 يناير 2023

عبدالوهاب بدرخان

يحدث في لبنان ما كان متوقّعاً بالنسبة الى التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، فبعدما أوقف القضاء عمل القاضي طارق بيطار، قسراً أو احتيالاً أو طوعاً، بضغط علني مكشوف من "حزب إيران/ حزب الله" وحلفائه، كان لا بدّ أن تتدخّل الجهات الأمنية المتواطئة لاستكمال المسار الأسود بملاحقة أهالي ضحايا المرفأ ونشطائهم، مثل وليم نون وبيتر بوصعب وغيرهما، لكسر حراكهم ومطالبهم المشروعة بكشف الحقيقة وإحقاق الحق. كانت المحاصرة الشعبية لمقر "أمن الدولة" انذاراً لهذا الجهاز ولبعض القضاء من ورائه، بضرورة صون ما تبقّى لهما من مصداقية والتوقف عن تغطية التدخّلات السياسية في مسألة تهمّ عموم الشعب اللبناني.

يحدث أيضاً ما كان متوقّعاً بالنسبة الى التحقيقات في الفساد المالي، فبعد التقصير الأسطوري للقضاء اللبناني، بتدخلات سياسية معروفة، كان لا بدّ أن تأتي التحقيقات الأوروبية الى بيروت لأن مفاعيل ذلك الفساد ظهرت في الخارج، وكانت سبقتها تحقيقات أميركية اتخذت أشكالاً مختلفة. ولا يشكّل التحقيق في مخالفات حاكم المصرف المركزي وبعض عائلته سوى الجزء العائم من سفينة الفساد الغارقة التي يظنّ أصحابها أنه لا يزال بإمكانهم تعويمها، على أن يكون حاكم المصرف الضحية الوحيدة، ولن يكون، فهو يعرف أسرارهم جميعاً.

وسط هذا التداخل بين الأمن والقضاء والسياسة، بإشراف "حزب إيران" واصراره على حماية الفساد والفاسدين، لم يبحث هذا "الحزب" وحلفاؤه عما يلبي الدعوات "الإصلاحية" الخارجية، بل يواصلون التذاكي كونهم آخذين البلد رهينة. فمن جهة يتظاهرون بأنهم لا يزالون يعتبرون "الدولة" دولة، بدليل أنها تتعاون مع التحقيقات الخارجية، بموجب معاهدة دولية، لكنهم يعملون على استدراجها الى متاهة الداخل، غير أنهم لن يتمكّنوا من تضليل التحقيق الذي يفترض المنطق القانوني أنه سيتوسّع الى ملفات مالية أخرى. والأهم أن هذه التحقيقات تتعلّق بدول مستعدّة لمساعدة لبنان، لكنها بالتأكيد لا ترغب في تغذية الفساد.

بالتوازي، تتجمّع مؤشّرات الى أن التحقيق في انفجار المرفأ سيشهد بعض الضغوط الخارجية، علماً بأن التحقيقات الخارجية كانت توصّلت الى خلاصات ملائمة لـ "حزب إيران" وسبق لزعيم أن أشار إليها باعتبارها في مصلحته. لكن الخارج كان يعمل آنذاك بنهج مسهّل للتحقيق الداخلي وغير متدخّل أو مؤثّر فيه، وكذلك في سياق سياسي باحث عن تسوية داخلية. أما وقد جمّد التحقيق اللبناني ولا يُراد له أن يفضي الى أي نتيجة، فإن الخارج لديه ضحايا ومعتقلون، وبالتالي لديه أوراق قد يستخدمها للتدخّل. إذ أن العمل المستقلّ للقضاء تندرج عنده في جوهر الإصلاحات المطلوبة من لبنان، وإذا تعذّرت الإصلاحات تتعذّر المساعدات.

واضحة جداً الحاجة الى التغيير، والكلّ يعتبر الآن أن انتخاب رئيس جديد للجمهورية هو الإشارة المفتاحية. هذا ما يدركه "حزب إيران" لذا فهو يعطّل الانتخاب (إما مرشّحه السرّي المعلن أو لا أحد). وقد تلقّى زعيمه حسن نصرالله أخيراً دعماً مباشراً حمله حسين أمير عبداللهيان لنهجه التعطيلي. فالوزير الإيراني جاء الى بيروت لمخاطبة الأطراف الدولية من بلد تحكمه إيران، وإذ كرر عرضه تأمين المحروقات لتشغيل معامل الكهرباء فإنه يشجّع لبنان على العمل خارج شروط صندوق النقد الدولي وبمعزلٍ عن العقوبات الأميركية، لكن رسالته الأساسية لنصرالله أن أزمة الداخل اللبناني ليست ملحّة دولياً، بل يجب التركيز في المرحلة المقبلة على المواجهة بين "المقاومة" والحكومة الإسرائيلية المتطرّفة.

(عن صفحته - فايسبوك)