"قمة غير" في "جدّة غير"؟

سياسة

تم النشر في 18 مايو 2023

عبدالوهاب بدرخان

المتوقّع من القمة العربية أن تكون "غير" تمشياً مع الشعار السياحي جدّة غير"، أي أن تكون مختلفة بأبعادها ومفاعيلها السياسية عن قمم سابقة. للدلالة الى ذلك يقال إنها ستتأثر بأمرَين: الأول، انها تنعقد في غمار تحوّلات عربية وإقليمية أبرزها "تطبيع" سعودي- إيراني لم يظهر خيره من شرّه بعد، مترافقاً مع "تطبيع" عربي- تركي لا يزال قيد الاختبار، وهناك مَن يضيف "التطبيع" العربي- السوري، بالأحرى الأسدي، المحكوم بالشروط الأممية والعقوبات الرامية الى الدفع بـ "حل سياسي" للأزمة السورية. والآخر، أن القمة تتأثر بمكان انعقادها في السعودية التي تخوض، عدا ورشة "رؤية 2030" الداخلية، سياسة خارجية طموحة تسعى الى موقع إقليمي ودولي مستقل، لا للمملكة وحدها بل أيضاً للخليج والعالم العربي. إذ أصبح واقعاً أن نموذج السياسات، الاقتصادية والتنموية والسياسية، الذي تعمل السعودية على بلورته حالياً (مع الصين والولايات المتحدة) يطمح الى تغيير أنماط التعاطي الدولي مع المنطقة، بمقدار ما يرشّحها لأدوار قيادية (النفط، اليمن، السودان...).

مثل هذا الدور كان مفتقداً عربياً مطلع العقد السابق عندما اندلعت الانتفاضات الشعبية وأسقطت العديد من الأنظمة التي أخفقت في استجابة نداءات التغيير في مجتمعاتها، كما في التفاعل معها. تلك كانت أيضاً مرحلة تحوّلات عربية احتاجت الى دور عربي يضبط ايقاعها في اطار المصلحة الوطنية، وليس الى "اسلام سياسي" أو الى "محور ممانعة" إيراني يخضعها لأجنداته السلطوية الخاصة، ولأنه لم يجرِ استيعاب إيجابياتها، فقد صعُب بعدئذ احتواء سلبياتها بما فيها من حروب أهلية وانقسامات حادّة وانهيارات اقتصادية. بات مؤكّداً الآن أن أياً من الانتفاضات لم يكن لديها مشروع "جاهز" للتأسيس أو للإصلاح، ولعل سلسلة الإخفاقات هنا وهناك دليل الى أنها لم تستطع الشروع في بناء الدولة. لذلك لم تنعكس الأبعاد الشعبية لما سمّي "الربيع العربي" على القمم العربية، لأن الجامعة العربية هي ملتقىً للأنظمة، وهذه تمسّكت أكثر ببقائها وبالاستقرار الذي تمكّنت من تحقيقه، بل زادها حرصاً على صونه ما شهدته من فوضى وما تكشّف لديها من معالم "مؤامرة" على هذا الاستقرار، تحديداً.

انتهت، إذاً، مرحلة التحوّلات الشعبية عربياً من دون انجازٍ تغييريٍّ يُذكر لها، وبدأت/ أو تُستأنف مرحلة الأنظمة التي استطاعت أن تحافظ على وجودها واستقرارها وازهارها، ويُعَوّل على الدول والأنظمة المسؤولة لإطفاء الحرائق المشتعلة عربياً فهي عنصر تهديد ومنافذ للتدخّلات الخارجية، لكن يُعَوّل أيضاً على تآزرها لتنجح في ذلك. فقبل أن تعطي الأزمة اليمنية أي مؤشّر "إيراني" سلميً مؤكّد يشتعل الاحتراب الداخلي في السودان منذراً بـ "خلافات عربية" وتداعيات إقليمية مقلقة، وقبل أن يبدي النظام السوري أي نية تسالم مع شعبه يُعفى من جرائمه ويُمنح فرصة لمعاودة التدخّل في لبنان، وبدلاً من دور عربي مؤثر في فلسطين يُكتفى بالتوسّط لهدنة بين غزّة وإسرائيل... هذه الأزمات وغيرها باقية ومستمرّة، تزداد تعقيداً ويتطلّب حلّها، بين عوامل أخرى، تضامناً عربياً يُؤمل به مع أي قمة عربية، وبالأخص الآن مع قمة جدّة. كان الانفتاح العربي على الدول الإقليمية، لا سيما تركيا وايران وحتى اثيوبيا، مهمة استراتيجية لا بدّ للعرب من خوضها والتحكّم بضوابطها، إلا أنهم أقبلوا عليها- بدءاً من إسرائيل- مرغمين لا مختارين، ومن دون أي جدوى ملموسة عربياً.

(عن صفحته - فايسبوك)