بين ان تكون "عامر فاخوري اميركياً" او "عميل ١٧ تشرين لبنانياً"

صوت ١٧ تشرين

تم النشر في 20 مارس 2020

(بقلم تيما رضا)


ببيان منمق. خفتت لهجة الاستنكار رغم سقفها العالي. غابت السبابة الملوحة بالاعظم الاتي لا محالة. اقتصر مشهد الامتعاض لاستباحة هيبة الدولة وسيادتها على الجماهير الافتراضية.

مشهد خافت لحدث كالافراج عن عامر فاخوري، الا ان الخفوت نسبي في هذا الامر تماما كما في أي أمر آخر، والبيان يحمل الكثير من التفسيرات والتأويلات. استراتيجية اثبتت نجاحها على الاراضي اللبنانية، سياسة لا غالب ولا مغلوب، المزينة بالديموقراطية التوافقية، وقاعدة الستة وستة مكرر.

مرة أخرى استعرت الحرب بين جمهور الممانعة ولبنانيين آخرين اعتادوا وصمهم بالعمالة لمجرد انهم يغردون خارج سرب الخطابات الرنانة المصحوبة بالاوامر المباشرة وغير المباشرة، التي تعطي الاذن من هنا، وترسم حدود الخطوات السياسية والاقتصادية من هناك.

الدقائق التسع على شاشة تلفزيون المنار التي تم تخصيصها لاستنكار الخطوة، يوم صدور قرار الافراج عن عامر فاخوري، لم تسعف المشهد الخافت لا بل بدت التغطية اوهن من بيت العنكبوت بتجهيلها الفاعل رغم الإصرار على تحميله المسؤولية.


وظهور الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالامس، شاكراً الحكومة اللبنانية تعاونها، قطع الشك باليقين، وأظهر بأن حكم البراءة ارتكز على فذلكة قانونية تحفظ ماء الوجه للجميع. والشكر يحمل ما يحمل من الدلالات الكبيرة لا سيما على "استقلالية القضاء" التي حرص عليها بيان الاستنكار من حزب الله.

في عملية عامر فاخوري، الكثير من الاستخفاف بعقول اللبنانيين، وكان من الاجدى لو فعلاً تم التصريح عن صفقة ما تمت لكنا شعرنا كلبنانيين اننا محميّون من قبل دولة او حكومة قررت عقد صفقة ما من أجل مصلحة كبرى.

ولا يمكن فصل التزامن بين اعلان ترامب شخصيا عن استرداد عامر فاخوري واعلان وزير خارجيته مايك بومبيو الافراج عن مايكل وايت من السجون الايرانية، مع الفارق الشاسع بين هوية الاثنين وتاريخهما. فعامر فاخوري مجنس أميركياً، الا ان ذلك لم يثن دولة عظمى عن المطالبة به واعادته ليموت ويدفن على ارضها إن صح مرضه، ولم تفرط به رغم الاتهامات الشنيعة المتهم بها في بلده الام. بين فاخوري ووايت لا فارق، هكذا نص الدستور الاميركي، وعلى هذا الاساس تصرفت الادارة الاميركية.

القضاء قال كلمته... ومضى. الطائرة طارت من السفارة الاميركية حاملة "مواطنها"، حلقت بعيدا عن مطار رفيق الحريري الدولي وعن بيانات الامن العام اللبناني وعن بيان الاستنكار الذي تلقفه جمهور الحزب الالهي وكأنه صاروخ مزلزل، فحمله راشقاً به لبنانيين آخرين تجرأوا على الشك والتساؤل والمساءلة.

معظم هؤلاء اللبنانيين، هم ممن هتفوا في ساحات لبنان، في ١٧ تشرين وما بعده. خرجوا في الطرقات، مطالبين بدولة مبنية على مؤسسات، مطالبين باسقاط الطبقة الحاكمة، صرخوا "كلهم يعني كلهم"، فخرج عليهم حماة الديار بالخطابات الرنانة بالتهديد والوعيد والترهيب طالبين منهم العودة الى رشدهم وعدم الوقوع في براثن العمالة وأموال السفارات، هم انفسهم الذين اصدروا بيان استنكار بقضية عامر فاخوري.

وفي وقت اطلقوا بلطجيتهم على "عملاء ١٧ تشرين" فأحرقوا خيمهم، واعتدوا عليهم بالضرب وكالوا لهم الشتائم، مع قضية من وصفوه بـ"جزار الخيام" اكتفوا بالجيش الإلكتروني

 الذي اقتحم الفضاءات الإلكترونية صاداً اي هجوم على حماة الديار، لا سيما المعلومات التي ربطت بين القاضي الذي حكم بالبراءة وحزب الله، وكشفت عن العلاقة الوثيقة التي تربطهما.


كل ذلك تفاصيل، الحقيقة الوحيدة هي أن عامر فاخوري عاد الى احضان العم سام يكمل ما تبقى من حياته، برتبة مواطن من الدرجة الأولى. أما ثوار ١٧ تشرين فهم "عملاء"، طالبوا بحقوق تكاد المجتمعات الاخرى لا تنتبه اليها لشدة بديهيتها. هتفوا مطالبين بالحياة الكريمة، بالحد من البطالة، بلقمة عيش كريمة، بضمان شيخوخة، بتعليم مجاني، بضرائب عادلة... طالبوا من حيث يدرون أو لا يدرون أن يكونوا "عامر فاخوري أميركياً" لبلد ما، يحفظهم، يسأل عنهم، يطالب بهم... طالبوا من حيث يدرون أو لا يدرون أن يكونوا "عامر فاخوري أميركياً" لرئيس ما !