الجدار الرابع.... جهاز الاوكسيجين الاخير!

متفرقات

تم النشر في 21 مارس 2020






(بقلم تيما رضا)

يتسلل الملل إلى الجدران. يحفر طريقه بين ثناياها، تماما كما تمتد العروق الناتئة في اليدين. يمد أطرافه المتعددة، يتسلق المحيط كالنباتات. يتشعب، يصل إلى السقف، يغطي المساحةالعالية قبل أن يتدلى ماداً يده ليعانق الملل الذي افترش الأرض.

ملل أخطبوطي، يتمدد من كل حدب في المنزل، فتضيق المساحة، وتضيق وتضيق.

الحجر المنزلي يضعك أمام الكثير من المرة الاولى، تماماً كإنجاب طفل. تتلمس طريقك في المنزل بشكل يختلف كلياً عما عرفته طيلة حياتك في الرقعة ذاتها. عليك أن تستيقظ كل يوم وتنتظر شيئاً مختلفاً من المشهد نفسه: أن ترسمه كما تحب، أن تطلق اسم شارع على غرفة ما، أو أن تعلق بزحمة سير بين غرفتين. إنه فضاؤك الأول والأخير إلى حين انتهاء الحجر.

على ذلك الجدار يتربص بي الملل. إن تجرأت على إشاحة نظري عنه، أجد نفسي في مواجهة جدار الإحصاءات، أرقام وأرقام من لبنان ومن حول العالم. إحصاءات تشدني إلى إعصارها، يتخبط رأسي بها يميناً ويساراً. تدور بي بشكل لولبي. تعصف بذهني. ينتج عنها دموع تعلق في كثير من الأحيان في الحنجرة، تلك الدموع التي تضغط على الجهاز التنفسي، قبل أن أتذكر أني بحاجة إلى التنفس، إلى النفس الذي أصبح هاجس عالم بأسره، فأسارع الى التقاطه خوفاً من فقده.

إلى الجدار الثالث، حيث مواجهة المستقبل. هو نفسه نظرت إليه قبل ثمانية أعوام، وضعت حينها يدي على بطني المتكور، وكتبت باكية مقالا بعنوان "لِمَ أنجبتني؟". تخيلت آنذاك جنيني يعاتبني بعد حين على إنجابه في هذا الشرق، في هذه الرقعة من العالم التي تنهض من حرب لتقع بأخرى. لا أذكر يومها أن فيروساً قاتلاً سيجوب العالم كان من بين مخاوفي. عن أي مستقبل أبحث اليوم؟ قبل أيام كان الهم الأكبر يرتبط بالحصول على ما ينبغي لتقطيع فترة أطمح أن تنتهي بهجرة نهائية من هذا الشرق. كيف لي ان اواجه هذا الجدار اليوم؟ منذ سنوات بكيت أمامه خوفاً على جنيني، واليوم تسيل دموعي، خوفاً على ابنتي وأمي ونفسي ومن يحيط بي.

الجدار الرابع يحدق بي، ينتظرني أن أواجهه. المساحة تضيق بحسب الأخبار، والنفسية المتأرجحة. إذا ما تسللت ابتسامة اليّ اتسع المنزل نسبياً، وتلاشت خيوط الملل. أمّا إذا تسللت الأفكار السلبية، فإن المساحة تضيق إلى حد الاختناق.

خوفي اليوم يتخطى هذه الجدران، يتمدد كما الملل المعشعش بها، إلى ما ورائها، إلى ما وراء البلد، إلى ما وراء المنطقة ليشمل عالماً بأسره، أفراد عائلة وأحباء ينتشرون على وسع العالم.

ماذا يريد مني هذا الجدار الرابع؟ لن أمنحه الفرصة ليطبق عليّ، سيدخل في مقارنة بين حياتي اليوم والأمس، سيحاول أن يقرعني على الفرص التي أضعتها وأنا مترددة أو خائفة أو خانعة.

لا بل سأواجهه. ماذا تريد؟ أن تواجهني بآرائي مؤخراً؟ أن تذكرني بما قلته لتلك الصبية التي التقيتها في المستشفى قبل وصول كورونا الى يومياتنا؟

كانت قد دخلت المستشفى، ظنّاً من الأطباء أنها بحاجة إلى عملية لإزالة المرارة، قبل أن يتضح أن كل ما تعانيه هو ضغط نفسي وخوف من كثرة الامتحانات والمشاريع التي طُلبت منها في الجامعة.

يومها وجدت نفسي أقول لها بكل هدوء وكأن الصوت يخرج من فن شخص آخر "يا عزيزتي ما في شي مستاهل. اذا تخرجتي رح تقعدي بالبيت واذا اشتغلتي ما رح تقبضي واذا قبضتي رح يجي يوم والبنك يستولي على تعبك".

تعال أيها الجدار فلنتواجه. انف ما قلته. واجهني بأني مخطئة.

هناك من يسمي كل هذا يأساً وهناك من يسميه استسلاماً، وأنا ببساطة أقول أنه واقع.

واقع غيّر النظرة إلى حياتنا اليومية. فهل سيعيد البشر النظر في طريقة حياتهم واستماتتهم للحصول على ما يبغون أم أن هذه التجربة ستزيدهم جشعاً وتمسكاً بالحياة، فيعيشونها على أنها فرصة ثانية قد تكون الأخيرة؟

قبل كورونا كانت عينا أمي تدمعان إذا ما سمعتني أتكلم عن رغبتي في الهجرة. اليوم أسمعها مترددة في ما إذ كانت ستستقبلني لأعايدها في عيد الأم، خوفاً عليّ، خوفاً عليها، خوفاً على ابنتي، وعلى الأرجح خوفاً من أن نضطر إلى اختيار مَن منّا سيحصل على جهاز الأكسجين الأخير.

أقف متسمرة بين الجدران تنفث مللها صوبي، يضيق بي المكان ويضيق، أسمع كايا ضاحكة مع صديقتها، تخبرها بأنها لا تفعل الكثير ولكنها لم تفتقد المدرسة، وتخبرها بأن صديقتهما الثالثة سافرت إلى تركيا إلى "ان ينتهي زمن الكورونا"... أبتسم لعبارتها. ينسحب الملل. يعود إلى الجدران، يتموه بطلائها وينصهر بلوحاتها، منتظراً جولة انقضاض جديدة يستفرد فيها بي!