تعميم مصرف لبنان "عيدية مفخخة"

إقتصاد

تم النشر في 3 أبريل 2020


بقلم د. ليال منصور

تفاجأنا على غير عادة بخبر سار من مصرف لبنان، بتاريخ 3 نيسان 2020، ليبدو للوهلة الاولى وكأنه اراد معايدة اللبنانيين بمناسبة الفصح المجيد وشهر رمضان الكريم.

ولكن ما يلبث بعد قراءة التعميم،ان يظهر وراء "الخبرية السارة"... مصيبة حقيقية"".

فإن السماح للحسابات الصغيرة بسحب أموالهم بهذه الطريقة، يبدو في الظاهر عرضاً مغرياً لأصحاب هذه الحسابات، لأن من يملك 5 مليون ليرة سوف يحصل عليهم ما يقارب 8 ملايين.

يبدو أن هذا التعميم يهدف إلى امر اساسي، وقد يكون إيجابيا على المستوى الإجتماعي، ولا سيما في ظل الظروف الإقتصادية الصحية الراهنة. فهو سوف يعطي صغار المودعين ممن تقل ودائعهم عن 5 ملايين ليرة اموالهم، وبالمقابل سوف تتخلص المصارف من عبء هؤلاء البالغ عددهم بحدود مليون وسبعمائة ألف حساب (بحسب أرقام لجنة الرقابة على المصارف). إذ أن أغلب من يتجمعون في المصارف يومياً وأسبوعياً للحصول على 100 دولار هم من أصحاب هذه الحسابات الصغيرة.

تقوم العملية على تحويل المبلغ من اللبناني إلى الدولار بسعر الصرف الرسمي المنخفض 1515 ليرة، ومن ثم بيع الدولار بسعر اعلى هو "سعر السوق"

غالباً لن يعتمد المصرف المركزي سعر السوق الحالي 3000 ليرة، فالبعض يقول بأن السعر سوف يتراوح بين 2000 و2300 ليرة.

فهذا الإجراء لن يكلف الدولة سوى كلفة طبع اوراق نقدية لبنانية جديدة، ولكن سينعكس حتماً إرتفاعاً سريعاً في أسعار السلع الأساسية.

ولكن من المفلت للنظر، هو إنشاء غرفة خاصة لتحديد السعر الرسمي لصرف الدولار يومياً كأنها "ماركت مايكر"

Market Maker

فعلى أي أساس سوف يقوم المصرف المركزي بتحديد سعر الصرف، بالنسبة لي هذه خطوة تأهيلية " تسويقية" لتحرير سعر الصرف.

فعلى أي أساس سوف يحدد السعر، هل سوف يكون السعر 2000 أو 2300 أو أكثر. يعني أن السوق أصبح لديه رسمياً أكثر من سعر، سعر رسمي ظاهري 1515 ليرة، وسعر بحدود 2300 ليرة للمودعين الصغار، وسعر السوق الحقيقي الذي هو سعر الصراف.

فمخطئ من يدعي، أن إنشاء هذه الغرفة هدفه التحكم بسعر الصرف ومنع إرتفاعه.

ولكن الحقيقة أن الدولار لن يتوقف عن الإرتفاع ، لأن من يملك وديعة صغيرة باللبناني إستردها وديعة أكبر، ومن يملك 3000 دولار لن يستطيع أن يستردهم من المصرف بالدولار، سيستردهم باللبناني.

إذاً 3000 دولار بدل من ان يحصل عليهم 4500000 ليرة لبناني سوف يحصل عليهم حوالي 7 ملايين ليرة تقريباً. هذا سوف يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بالعملة اللبنانية، فكل زيادة من هذا النوع تؤدي حتماً إلى زيادة في سعر صرف الدولار.

وفعلياً، كل من سيحصل على أمواله محسوبة على سعر الدولار في السوق، سيقوم بتحويلهم إلى الدولار لدى الصراف، مما يؤدي زيادة في الطلب على الدولار. لذلك مخطئ من يعتقد بأن الهدف من هذا التعميم ومن إنشاء الغرفة هو الحد من إرتفاع سعر الدولار عند الصرافين.

قد يقول البعض، بأنه من خلال هذا الإجراء، من حصل على مبلغ حسابه مضاعفاً بالليرة، لن يعمد إلى إعادة شراء الدولار من جديد، وسوف يكتفي بما حصل عليه و سيدخرهم بالليرة اللبنانية. قد يصح هذا السيناريو في بلد غير مدولر، أما في لبنان وفي ظل إنعدام الثقة بالعملة اللبنانية سيعمد هؤلاء حتماً إلى شراء الدولار فوراً، حتى ولو أدى ذلك إلى خسارتهم جزءاً من اموالهم.

وما يؤكد ذلك، بأن أصحاب هذه الحسابات الصغيرة، كانوا يدخرون هذا المبلغ لمواجهة غدرات الزمان كما يقولون، فلن يبقوهم يوماً واحداً بالليرة اللبنانية، إنما سوف يحولونهم إلى الدولار ويدخرونهم في بيوتهم بدلاً من المصرف.

فلن يتوقف اللبناني عن التهافت على الدولار إلا إذا إستعاد الثقة بحكومته، بالسياسات المالية والنقدية، بالقطاع المصرفي، بقرارات المصرف المركزي وأخيراً وأساساً بالعملة اللبنانية.

بهذا الإجراء وعلى المدى القصير، ضرب المصرف المركزي عصفورين بحجر واحد، الأول هو ترييح الفئة الأكثر فقراً في ظل ظروف الحجر والإغلاق التي نعيشها، وتخفيف الضغط المطلبي في الشارع، والثاني هو تقليص حجم الحسابات المصرفية، مما يخفف الضغط عن المصارف ويبقي الحجز "كابيتال كونترول"

Capital control

على الحسابات الأخرى تحضيراً لإجراءآت قادمة " الآتي أعظم".